تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


خريطة المشهد الإقليمي.. وحتمية المراجعة العربية قبل فوات الأوان

دراسات
الخميس23-1-2020
عبد الحليم سعود

أكثر ما يميّز المشهد الإقليمي اليوم في المنطقة هو افتضاح المشاريع المشبوهة وتعرّي أصحابها بشكل سافر لا يقبل النقاش، في مقابل ثبات ورسوخ وتجذّر المشاريع الأصيلة للدول المحورية فيها،

وخروج بعض خرائط الأطماع السرية المخبوءة إلى دائرة الضوء، في مقابل ضبابية الحالة العربية المستهدفة بهذه الخرائط وعجز النظام الرسمي العربي عن الرد بأفعال متناسبة مع التحديات المطروحة، ولا سيما أن بعض الدول الإقليمية مثل تركيا تحاول التمدد على حساب الحالة العربية خارج الضرورات الجغرافية والأمنية وتقاطعات المصالح المشروعة لكل دولة.‏

في العموم لا أحد يستطيع أن يتجاهل صلافة وفجور التدخلين الأميركي والتركي الاستفزازيين في شؤون المنطقة المتناقضين تمام التناقض مع حسابات سيادة الدول واستقلالها والمصالح المشتركة التي يكفلها ميثاق الأمم المتحدة للدول الموقعة عليه، وإذا كانت الحالة الأميركية المستفزة ــ على اعتبار أن أميركا هي دولة عظمى بفائض قوة عسكرية عدوانية متغطرسة لا تجد من يردعها أو يعادلها أو يوازنها عسكرياً واستراتيجياً ــ فإن الحالة التركية الإخوانية التي يتحرك على قاعدتها الضيقة الواهم رجب أردوغان هي الأكثر استفزازاً ولا سيما بعد محاولات الأخير لعب دور (السيد) في الوقت الذي لا يزال الدور التركي وظيفياً وتابعاً ويدور في كليته في فلك المصالح والمشاريع الأميركية المعدة للمنطقة شاء البعض أن يعترف بهذه الحقيقة أم لا..!‏

ففي خريطة المشاهد المستفزة والمفضوحة يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان وتحاول الترويج لمفاهيم الديمقراطية والحريات والانفتاح والعولمة هي دولة (لصة) ناهبة ومتغطرسة مجرمة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث تبرّع الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب بإيضاح هذه الحقيقة مراراً وتكراراً والبرهنة عليها في الكثير من المناسبات، وهي الحقيقة التي حاول الإعلام العربي المأجور أن يخفيها أو يتستر عليها لغاية في نفسه الرخيصة، فالرجل لم يستحِ أو يخجل من القول بأنه جاء إلى سورية ليسرق ثروات الشعب السوري، وهو لم يستحِ أثناء حملته الانتخابية من الجهر بحقيقة المسؤول عن إنشاء تنظيم داعش الإرهابي ودعمه ليرتكب كل هذه الفظاعات، كما أنه لم يستحِ من الاعتراف باغتيال شخصية إيرانية مهمة كان لها دور بارز ومهم ومحوري في انهيار التنظيم الإرهابي الأخطر على مستوى المنطقة، ولم يستحِ أيضاً من تهديد الدولة العراقية بعقوبات شديدة إن هي مضت بإجراءات نزع الشرعية عن الوجود الاحتلالي الأميركي في العراق، رغم أن البرلمان العراقي المنتخب ديمقراطياً تحت عين الوجود الأميركي هو الذي طالب بتفكيك القواعد الأميركية وخروج القوات الأميركية من كل العراق، وترامب نفسه هو من هدد دول الخليج بوقف (الحماية) الأميركية المزعومة لعروشها إن هي لم تدفع غالياً ثمن هذه الحماية، وقد لا يستحي ترامب في المستقبل من إشعال حرب أهلية داخل أميركا ــ سبق له أن هدد بذلك ــ إن واصل الكونغرس إجراءات عزله من منصبه على خلفية الكوارث التي ألحقها بسمعة ومكانة الولايات المتحدة حول العالم..!‏

على الضفة التركية، يبدو أردوغان قادماً من زمن عثماني عفن وهو يحاول التمدد على حساب الخرائط العربية بعيداً عن لغة الجغرافيا والمصالح المشتركة، فثمة من يسأل بأي حق يرسل أردوغان مرتزقته وإرهابييه إلى ليبيا، ويستخدم مليشيات إرهابية داخل البلاد لمحاربة الجيش الوطني الذي يسعى لتحرير ليبيا واستعادة وحدة البلاد التي تمزقت منذ التدخل الأطلسي الفاجر في شؤونها عام 2011..؟!‏

وبأي حق يرسل قواته إلى قطر ــ وهي بالمناسبة قاعدة أو محمية أميركية ولا يمكن لأحد أن يدخلها إلا بإذن أميركي‏

وبأي حق أيضاً يتدخل النظام التركي في كل من سورية والعراق وهما دولتان قادرتان على الاستجابة لكل الهواجس الأمنية التركية المزعومة في إطار من التعاون والتنسيق المشترك بعيداً عن لغة التهديد والعسكرة والتذكير بماضي السلطنة العثمانية المتعفن..؟!‏

في مقابل هاتين الحالتين الشديدتين في الاستفزاز والغطرسة ثمة من يسأل أين هي الحالة العربية المقابلة، تلك الحالة التي تستطيع أن ترسم ملامح دور عربي يقول كلمته على المسرح الذي يخصه، فالوجود الأميركي في المنطقة يهدد أمن دول المنطقة أجمع وعادة ما يتم تجييره بصورة علنية مستفزة لمصلحة عدو المنطقة الرئيسي أي الكيان الصهيوني المغتصب للأرض والحقوق العربية والمهدد للهوية والمستقبل والمصير، فمن الممكن أن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية جارة وشقيقة لكل دول الخليج ــ وهي تعرض ذلك باستمرار ــ بدل أن تكون الفزاعة التي تشهرها واشنطن في وجه المحميات لكي تبتز الجميع، ولا سيما أن ذلك لا يكلف شيئاً سوى فتح أقنية للحوار والتواصل والتعبير عن الهواجس والهموم المشتركة من أجل التوصل لكل ما يطمئن الجميع، وهم يعلمون أن العقل الإيراني منفتح على الحوار والتفاهم والتنسيق في كل القضايا، وليس ثمة ما يجبره على ذلك أكثر من توصّل إيران مع المجتمع الدولي إلى اتفاق تاريخي ــ أسقطته حماقات ترامب وحسابات الكيان الصهيوني ــ بعد 13 سنة من التفاوض الماراثوني في قضية ملفها النووي الحساسة جداً..!‏

وثمة من يسأل أيضاً لماذا يصرّ ما تبقى من النظام الرسمي العربي على العدوان على سورية وتجاهل دورها المهم في الوقت الذي يعلم فيه هذا النظام تمام العلم أنه مكشوف وضعيف ولا وزن له من دون سورية، أليس من الضروري جداً هذه الأيام ــ بعد أن تأكد الخطر الإخواني التركي على الوجود العربي ــ أن يبادر العرب إلى مراجعة أنفسهم واستشعار الخطر الكبير الذي سببه تغييب سورية من الجامعة العربية بحيث تحول (البيت العربي) بفعل هذا التغييب والاستبعاد إلى مكان للفراغ حيث الكائنات فيه عاجزة لا تحرك ساكناً في المشهد الصعب.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية