تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


شراء الأوهام!

كل أربعاء
الأربعاء 9-5-2012
سهيل ابراهيم

تســـتأنف شراء الأوهام، بالحبر والكلمــات التي لازمت عمـرك طوال أربعة عقود ونيف، حتى صارت هويتك وتعريفك ومهنتك الحزينة الموبوءة بالقلق وجمر الأسئلة الصعبة، تستأنف الكتابة بعد شهرين من الألم والمرارة، كانت الروح فيهما تنوس

على مفرق الحياة والموت، في امتحان طاقة الجسد على مقاومة اعتلاله الشرس، وطاقة القلب على استكمال لعبته مــع النبض وتناوب الدماء على شريانه الأبهر، برهاناً على الحياة واستدلالاً على العافية، شــهران معتمان كدت في بعض لياليهما تدنو من الغياب الأخير وتضع نقطتك الأخيرة على السطر الأخير الذي كنت تحسبه يمّحي في وعيك، كسحابة بيضاء تلاشت في عينيك وتبددت على الأفق فـي وضح النهــار، ثم تستفيق على الصورة من جديد وتتحسس صدرك فتطمئن إلـــــى نســـيم الحياة فيه، فتسترجع علامات حضورك بوعي يصحو على الأشياء من حولك، كمطلع صباح مضيء، بعد عتمة ليل بهيم كان يحاصرك من كل الجهات !‏

تستأنف محاكاة زمنك، بأدواتك التي لم تصدأ بعد، ولــــم تنل منها مواجـــع هذا الامتحان القاسي الذي نجوت من مخاطره الآن، بعد أن ارتسمت أمامك فرصة جديدة للحياة تتسابق فيها الآمال نحو مرحلة من العمر مفتوحة على المجاهيل، يشتبك فيها العام والخاص، فـــي مخاض لم تتضح بعد الملامح الكاملة لصورة مولوده الجديد، فرصة للحياة لا تعرف كـــم مـــن الشوك سوف ينمو في أيامها، أو من مساكب الورود، مـادام ربيع قلبك قد آذن بالأفول، ومــا دام ربيع عروبتك مصلوباً على طريق الرياح يتقاسم غصون شجره الدجالون والســــماسرة والمحنطون في مقابر التاريخ، والمعرضون عن ضياء شمس العصر !‏

تعود الى أسئلتك من جديد، الى أين تمضي بنا هذه الحقبة العاصفة مــن الزمن، وعلى أي ساحل سوف ترمينا أمواجها، وكيف سنبني على صخور براكينها صروح حياتنا القادمة، مــاذا يفعل شياطين الربيع العربي بحاضر أمتنا، ولماذا دب الخـــريف فـي غصون « الثورات « قبل أن يخضر عودها وقبل أن نقرأ شيئاً فــي كتاب أحلامـها الجديدة، من هم الثوريون ومــن هـــم الأبالسة في هذه المواكب الحاشدة التي كــادت توهمنا أن العرب مقبلون على قيامتهم المباركة، ثم نعثر عليهم اليوم في دوامة الفوضى يتداعون الى المنازلة فــي ســـاحاتٍ، دماء جميع القتلى فيها واحدة، من هم الحــالمون بالتغيير واقتناص الحرية، ومن هم المرتدون الذين يأخذوننا إلى مدافن التاريخ القديمة كي نحفر فيها قبورنا ونموت قبل أوان الموت !‏

متى يكتمل الفرز، ويصحو الواهمون على طبيعة المشــهد العربي الــذي يتصدره اليـــوم ذئاب الغابة الذين يتسابقون ليغرزوا أنيابهم في جسد المولود الجديد الذي كان يبشر في لحظات الولادة الأولى باكتمال شروط الصحوة العربية التي تفتح ربيعها الدافئ الذي تورق أشجاره في الهواء الطلق وينضج ثمره بعد عقـــود من الجفــاف واليباس، تلك الصحوة التــي يســـترد فيها العرب مواردهم المنهوبة، ويســتثمرونها لتجديد عيشهم وبناء قواهم الذاتية، ويحتلون مكـــانهم اللائــق بين الأمــم، بدلاً من الارتهان لإرادة طــاغية تصادر إرادتهم، والتخلي عــن حقوقهـــم المغتصبة على أيدي قراصنة هذا العصر الرابضون فوق صدر العالم كصخور مـــن الصوان، اختنقت بثقلها شعوب الأرض!‏

فرصتك الجديدة في الحياة، تمنحك استحضار الأسئلة من جديد، وتدعوك لمتابعة اشتباكك العنيد مـــع علل أمتك، مثلما كنت تفعل دومـــا منذ أن اكتمل وعيك وأدركـــت أن هذا المصير المحزن الذي يتخبط به العرب ليس قدرا لا يمكن رده، بل هو نوع من الانسحاب الطوعي من مهمة صنع التاريخ، والغيــاب المقصود عن دائرة الفعل، فــي عصر لا مكان فيه إلا للأقوياء، ولا مكان فيه إلا لمــن يصوّب خياراته ويتشبث بالحياة قبل أن تدركه عاصفة الموت وتبدد أثره إلى الأزل!‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية