تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


تشكيل...مازن غانم في صالة عشتار..تهــــــكم لاذع بلغـــــــة تشـــــــــكيلية حديثــــــة..

ثقافة
الجمعة 3-1-2020
أديب مخزوم

ينطلق الفنان مازن غانم في معرضه الفردي بصالة عشتار، من التعبير التهكمي والنقد اللاذع لبعض المظاهر الاجتماعية المزيفة، والتي تخفي خلفها الحقيقة، فهو يركز لإظهار شخوص لوحاته بالطرابيش، التي ترمز إلى شخصية البيك أو الأفندي, الموجود في حياتنا المعاصرة بأشكال مختلفة، كأنه يستبدل القناع بالطربوش في خطوات نقده لهذه المظاهر الاجتماعية الكاذبة الموجودة في عمق حياتنا اليومية, والتي يزداد حضورها في الدراما التلفزيونية السورية.

‏‏‏

وهو على الصعيد التشكيلي يحتفظ في لوحاته بروحية العناصر الإنسانية ورموز الطبيعة وغيرها، ليتحرر من ثوابت ومرتكزات الصياغة التصويرية الواقعية, وليصل إلى سمات ودلالات اللوحة التشكيلية الحديثة بألوانه التي تتلاشى خارج حدود المساحة أو اللمسة أو الضربة اللونية, كأنه يلون دون حدود أو خطوط أو فواصل.‏‏

عدة شخوص‏‏

ومازن غانم الذي أقام عدة معارض فردية وشارك بمعارض جماعية في سورية ولبنان وفرنسا وسويسرا, يبدو أكثر انعتاقاً في إبراز تداخلات الأجواء اللونية الشفافة وإضاءاتها وحركاتها المأخوذة بروحية الإبقاء على التأليف العفوي والوجداني, وهو يحور ويحرف الأشكال والعناصر، ولا يبقى منها إلا إشاراتها وإيقاعاتها وظلالها الدالة عليها، وأكثر من ذلك يجعلها متداخلة مع بعض المساحات التجريدية التي تشغل بعض أجزاء اللوحة, وهذا يعمل على كسر أناقة المساحة ويبتعدها عن الإبهار الصالوني والتزييني.‏‏

فالبحث عن مناخات مختصرة لتكاوين الأشكال الإنسانية والحيوانية والعناصر الأخرى شكل في لوحاته هواجس لاختبار الإيقاعات التشكيلية المتداولة في الفن الحديث، والقائمة على إلغاء الثرثرة التفصيلية، وإعطاء أهمية قصوى للإيقاع اللوني الشفاف والشاعري، والإبقاء على جوهر الحركة العفوية، التي تجسد عدة شخوص في اللوحة الواحدة بوضعيات مختلفة ومتنوعة, ومن خلال حوار عابر أجريته مع الفنان في معرضه، أشار الى الانتقادات الساخرة والمواقف الثائرة, التي تحفل بها لوحاته، والتي لا تستشف فقط المظاهر السلبية الموجودة في الواقع, وإنما تستشف أيضاً ايقاعات الحلم الجماعي الباحث عن الأمل والتفاؤل والفرح والانعتاق حتى لانبقى ضمن هذه المظاهر الاجتماعية المزيفة والشائكة والمتداخلة والمعقدة.‏‏

اختزال وتحوير‏‏

وهو يمتلك القدرة على الاختزال والتحوير والتبسيط في تكاوينه التعبيرية والرمزية, ضمن معطيات المناخية الشرقية، التي تظهر من خلال اللباس، والطبيعة المحلية، مع إعطاء أهمية للجوانب التشكيلية الهندسية، التي نجدها تطل في بعض عناصر لوحاته، التي يعمل فيها أيضاً على تخطي صفاء المساحة، الذي رأيناه في لوحات أخرى من مراحل سابقة، حيث أنجز لوحات المعرض بفترات متقاربة ومتباعدة، وبعضها أنجز خلال الحرب المدمرة، وجاء معبراً عن بعض فواجعها، التي ستبقى وصمة عار في ذاكرة وتاريخ الإنسانية.‏‏

وهذا يعني أنه لا يتوقف عند حدود معينة في معالجة المادة والمساحة وإنما ينتقل من معالجة إلى أخرى, وهو بذلك يعمل على إيجاد نوع من الموازنة والمواءمة بين الجانب التعبيري المتمثل بتبسيط الأشكال وإبراز انفعالية اللون، وبين الجانب التهكمي أو الساخر، الذي يعمل من خلاله على معالجة المساحة وإيجاد إيقاعات بصرية شاعرية في اللوحة للوصول إلى إيقاعات اللون أو ما يسمى بموسيقا اللوحة وتقاسيمها المرئية المسموعة بالعين.‏‏

ومازن غانم حين يظهر حركة اللون العفوي، يصل إلى المساحات المتلاشية للون على مساحة لوحة ورقية مشبعة بالماء (مائي وأكريليك) إلا أن هذه الحركة لا تنحصر بما هو تعبيري، كما أشرنا إنما ترتكز إلى ما هو تعبيري ورمزي وخيالي وبانورامي. وما هو بارز في إنفعاليته اللونية، ابتعادها عن العبثية، إذ أن التكوين العام للوحة يأتي مدروساً وملطفاً، وبالتالي فهو يصل إلى فسحات بصرية مريحة لعين المتذوق، وبمزيد من التحوير والاختزال.‏‏

‏‏‏

سلبيات الواقع‏‏

وهو حين يثير في لوحاته القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الملحة والمرتبطة بمشاكل الحياة العامة, لا يذهب إلا لغة الإشارات والتأويلات والاجتهادات اللامعقولة, بقدر ما يسعى للكشف عن مشاعر الناس البسطاء، والتعبيرعن قلقهم الوجودي, وسط هذا الفراغ الروحي المتجلي، في عالم اليوم اللا إنساني.‏‏

وإذا كانت أعماله الأحدث المعروضة، إلى جانب لوحات له من مراحل سابقة، تحتمل مزيداً من الجرأة التعبيرية الناتجة عن استخدام لمسات اللون التلقائي والعفوي والارتجالي, فإن جرأة المواضيع المطروحة تكمن في محاولاته الدائمة التصدي لمظاهر الظلم والاستبداد والفساد، والتعبيرعن الذين يلعبون بالكلام أكثر مما يعملون في الحياة, لأن لوحاته موجهة أصلاً لتسليط الأضواء على سلبيات الواقع، وإظهار حالات الايجاز والاختصار في تجسيد العناصر والأشكال, وفي خطوات التعبير عن حدة مفارقات وتناقضات الواقع, بلغة تشكيلية حديثة محورها الرئيسي معاناة العيش في مجتمع ذكوري، يشكل مدخلاً للعنف النفسي والجسدي الواقع على المرأة.‏‏

ورغم مرارة الواقع، تبقى لوحاته باحثة عن فسحة طمأنينة وأمل وانفلات من كوابيس القلق اليومي المشرع على كل الاحتمالات, في خطوات تدمير القدرات الحياتية للإنسان المعاصر، والتعبير عن تداعيات الأحلام الحديثة المتكسرة.. وكل ذلك بلغة تشكيلية حديثة، تحمل بصمته الخاصة.‏‏

فالإنسان يتلمس بهجة الحياة, رغم كل الحروب والأهوال والويلات وصيحات الجنون الانساني, حيث لا فواصل ولا حدود هنا بين الحدث الفجائعي, وعنصر السخرية، في سياق التعبير التشكيلي التقني الخالص.‏‏

facebook.com adib.makhzoum‏‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية