تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


آليات تشكل الحكاية بين الأدب والسينما

كتب
الأربعاء 29-2-2012
صنع الإنسان الحكاية منذ عصور ما قبل التاريخ إلى اليوم فحاكى أو ابتكر وأبدع: حاكى فدون على الكهوف مطاردات صيده ورسم على جدران المعابد طقوس عبادته وجمع فتات الصخر وشكل لوحات فسيفسائية تعرض حروبه أو أبدع فصاغ من الكلمة أسطورة تعرض نشأة الكون أو خرافة تقص عجيب أحداثه.

هل جبل الإنسان على الحكي فاندفع إليه غريزياً واهباً إياه كل ما توفر له الإمكانات منذ أن كان يستعمل جسده راقصاً في المعابد، فجر التاريخ إلى أن أضحى يوظف أشد المؤثرات السينمائية والتقنيات الرقمية إبهاراً اليوم؟ تظل الحكاية واحدة من جهة سلسلة وقائعها مختلفة من جهة مادة تشكلها فتتنوع بين ألوان وحجارة وطين ورسم بالأضواء ولغة طبيعية ولكن على اختلاف مادتها المشكلة هل هي واحدة من جهة بنائها ونظام تشكلها؟‏

يعسر البت، حقاً ومما يزيد الإشكال عمقاً أن المادة في الحكاية علامة ووسيط فهي علامة تحول سلسلة الوقائع وشخصياتها وأمكنتها وأزمنتها إلى رموز كامنة في الخطاب وهي وسيطاً يكفل للحكاية مرونة التنقل لتسري بين الناس وتنتشر في الآفاق فينضاف إلى بعدها السينمائي بعداً تقنياً كالشاشة وفضاء العرض.‏

يقتضي البحث في( جمالية الحكي بين الصياغة اللغوية والمعالجة السينمائية) مقاربة سينمائية وسائطية في آن واحد وهذا ما جعله الكاتب أحمد القاسمي مداراً للبحث في الباب الأول فعرض في فصل أول أهم الاتجاهات السينمائية وما بينها من اختلاف في المنطلقات والرؤى، عرضاً حاول من خلاله أن يجمع فيه بين الاختزال والتركيز دون الغوص في التفاصيل حيث اكتفى بالمباحث السينمائية الغزيرة بقدر حاجة الكاتب لشرح وجهة نظره وتدعيمها.‏

الكتاب يعد بحثاً جاداً في الحكي السينمائي لكن ذلك لم يمنع الكاتب من التعريج على أنماط الحكي المختلفة ويذكر بعض أهم الأسماء العربية التي اشتغلت على هذا الموضوع كالناقد فاضل الأسود الذي قدم كتاباً بعنوان(السرد السينمائي خطابات الحكي- تشكيلات المكان) حيث سعى في مؤلفه ذاك إلى تأسيس منهج نقدي جديد يتجاوز قصور أدوات النقد التقليدي.‏

إن اختلاط الوسيط بين لغة الأدب المستندة إلى الكلمة ولغة السينما المعتمدة على الصورة دفع إلى طرح السؤال الإشكال التالي:( ما الحكي؟) فأساليب الحكي الأدبي والسينمائي تختلف اختلافات متعددة تشكل هيكلاً جامعاً بين مختلف تنويعات الانجاز داخل الجنس الواحد أدباً كان أو سينما وتبنى على صفوف محددة من العلاقات.‏

معمار الحكاية‏

يحتاج الفيلم إلى توسط السيناريو فيما يشبه الرسم التخطيطي لأحداث حكايته فيجلي أهم مفاصلها على خطاطة فضائية ماثلة للعيان مجسدة على مجموعة من الصفحات وهذا ما يجعله مقصد نقاد السينما كلما تعلق الأمر بالبحث في معمار الأثر السينمائي وإن لم يفصل القول كثيراً في الفرق بين معمار الفيلم القصير والفيلم الطويل.‏

وينقسم الفيلم بناء على هذه الدراسات إلى ثلاثة أقسام:‏

- القسم الأول ويمثل البداية فيقدم الشخصية الرئيسية ويؤسس وصفاً بصرياً ودرامياً يستغرق ربع الوقت المخصص للعرض وينتهي بموضع حبكة.‏

- القسم الثاني ويعتبر الوسط من الفيلم مداره على المجابهة بين الشخصيات والوضعيات وهو يمثل نصف الوقت وينتهي بموطن حبكة ما يدفع بالقصة في اتجاه القسم الثالث.‏

- القسم الثالث وهو قسم النهاية ويستغرق الربع المتبقي من الوقت ويفضي إلى حل الوضعيات الدرامية التي أنشأها ويبنى كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة على بناء ثلاثي فيشتمل بدوره على بداية ووسط ونهاية، كل قسم من هذه الأقساط يتشكل من جمع مشاهد والمشهد عبارة عن قصة قصيرة له بداية وقلب ونهاية.‏

هذا البناء الثلاثي المتكرر باستمرار في كل لحظة من لحظات الفيلم يشكل اتجاهاً يندفع إلى الأمام في شكل مسار.‏

أورد المؤلف في نهاية العمل ثبتاً للمصطلحات وثلاثة أبواب تضمنت دراسة للفضاء الاقتراضي بين الأدب والسينما حيث ضم عناوين( صيغ تنظيم الفضاء- وظائف الفضاء) فضاء استيهامياً، فضاء للهلوسة والأحلام، الفضاء ونمط الإخراج في فيلم(المصباح المظلم) والفصل الثالث خصصه الكاتب للزمن بين الأدب والسينما فمقابل الوضوح في الحكي الإدبي تلت دراسة الزمن إشكالاً حقيقياً واجه السردية السينمائية باعتبار أن السينما فن فضائي أساساً ويتم تعريف هذا الفن عادة بكونه(متتالية زمنية مرتين) ذلك أن إحدى وظائف الحكي سك زمن في آخر ومن هذه الناحية يتميز الحكي عن الوصف الذي يسك مساحة في أخرى ومقارنة بالحكي الروائي الذي يعتمد صيغ الفعل المختلفة للتعبير عن الزمن من ماضٍ وحاضر ومستقبل و بالفيلم الذي يعد إجمالاً من الماضي بما أنه يجسد مادة قد تمت بعد تقدم الصورة حينما تعرض على أنها تقع الآن مباشرة في راهن اللحظة فتعطي إحساساً باللحظة الراهنة.‏

وضمن باب معمار الحكاية يتحدث المؤلف عن( هيكل الأثر ونظام العلاقات الداخلية، العلاقات السياقية ، العلاقات الجدولية.... المكون الانفعالي -المكون البنيوي- بلاغة الحكي السينمائي- عناصر الديكور- الممثل والأسلوب الخاص في الأداء وعن الفضاء بين الأدب والسينما درس(صيغ تنظيم الفضاء- وظائف الفضاء والفضاء الاستيهامي والفضاء بوصفه فسحة هائلة للهلوسة والأحلام).‏

الكتاب: جمالية الحكي بين الصياغة اللغوية والمعالجة السينمائية. - تأليف: أحمد القاسمي الفن السابع :قطع متوسط في 191 صفحة‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية