تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


أسئلة التمرد

ملحق ثقافي
18/4/2006
ندرة يازجي

ليلى الأخـــــيليَّة

لما كانت عملية الفهم قضية تشوبها الصعوبة لسبب هو أن الإنسان يأخذ بوجهة النظر الثنائية والتعددية التجزيئية،‏

فإنها تؤدي به إلى ثورة فكرية تعتمد الجانب الروحي قدر اعتمادها الجانب المادي.ولهذا، تشير كلمة ثورة إلى كل محاولة إيجابية تعمل في حقل المعرفة، وتهدف إلى الاعتراف الضمني بقيمة وحدانية الوجود واتصاليته. وتشير كلمة تمرد إلى كل محاولة سلبية تتمثل في الرفض الناتج عن الثنائية التي تُجزِّىء الوجود المادي وتعزله عن الاتصالية الكونية. يُعد تمرّدُ الإنسان أو ثورته عاملاً هاماً يقوده الى فهم نفسه والكون أو إلى نفي نفسه وسلب الكون.و الحق، أن الثورة الفكرية، في جانبها الإيجابي، طاقة فاعلة تساعد الإنسان على إدراك عمق وجوده وتلّمس السبيل الحقيقي لمعرفته.. هي حوار لانهائي مع الطبيعة والكون.. حوار يسعى الى تكامل أو توحيد قطبه المادي مع قطبه الروحي، وذلك لأن الإنسان قد تحوّل من أحادية روحية كان يحياها إلى العقل الذي يشير الى الثنائية. واستمرّ الإنسان في ثورته بعد التحوّل الطارىء، وخلق قيماً جديدة ومفاهيماً تختلف عن قيم ومفاهيم وجوده البدئي،و تمادى في ثورته لأنه لم يجد في تمرده سبيلاً يؤدي به إلى الحقيقية، واجتهد في نطاق العقل محاولاً أن يطأ بداية الطريق ليعود إلى حالته البدئية التي كان قد أضاعها. تتجلّى الثورة الفكرية في الاتجاهات والأبعاد الفكرية العديدة: ففي مراحل معينة يشيد الفكر قاعدة له قوامها التمرد والرفض، يرافق الإنسان انطلاقاً من نشأته في الطفولة وانتهاءً بانحلاله في الشيخوخة. وتنضوي هذه المرحلة تحت الجانب السلبي للثورة الفكرية. فالإنسان يتمرّد على نحو دائم.و في مراحل أخرى يشيد الفكر لذاته قاعدة أفضل تتمثل بالجانب الإيجابي. وتتجلّى هذه الثورة بإعمال الفكر،ومحاولة دراسة العلل والمعلولات، وسبر أعماق وأغوار الواقع الطبيعي والإنساني والكوني. وفي مراحل نهائية ، يؤسس العقل قاعدة أخيرة له تتجلى في ثورة على كل ما يعيقه عن التقدم. وتشير هذه المراحل الدقيقة إلى السير الحثيث نحو المعرفة، وعدم التوقف عند الصعوبات المتنوعة والعوائق التي تحول دون الوصول، فيحقق الإنسان الغاية من وجوده. تشير الاتجاهات المتعددة إلى أنها فعل فكري يجعل من العقل وجوداً يسعى إلى إدراك ذاته. ويتمثل هذا الفعل العقلي بالثورة الفكرية. وعندئذ، يصبح العقل موضوعاً لذاته إذ يتجلّى عن أن يكون ماهية. ففي درجاته الأولى، وهي التمرّد، يهز أركان ذاته وأسسها، فيخطىء ويصيب، ويتيه في كهف وجوده، وترتج الحياة لهذه المأساة،و تهتز قوانين الوجود لهذا التحدّي الانفعالي، فتعلن ثورتها المقابلة، الممثلة بالمأساة.وفي درجاته الوسطى، يحاول الفكرمعرفة الأسباب ليكون أكثر قرباً وأوثق اتصالاً بماهيته وأفضل تعبيراً عن الوعي. وفي درجاته الأخيرة يعود إلى جوهره، ويصبح الوجود موضوعاً للدراسة والإدراك. وعندئذ العقل واقعه، ويسمو بفعل الثورة، ثورة الإنسان على الوجود،على ذاته بحيث أنه ينكر ذاته ليصبح نقيضها؛ وفي هذا النفي الذاتي يعود إلى كيانه، إلى نفسه الحقيقية. إلى جوهره. هكذا، يخرج العقل من كيانه إلى الوجود الخارجي ليعود إلى كيانه بعد أن يكون قد وحّد عالم الخارج مع عامل الداخل. تحتوي الثورة الفكرية، وهي محاولة المعرفة، في ذاتها فعلاً ضميناً كامناً في الإنسان.فإذا ما وقف الإنسان قبالة الكون أصبح هذا الكون موضوعاً له، وشكل سره الحقيقي ولغره الذي يقع خارج نطاق وجوده. والحقيقة أن هذا الموقف يعبّر عن ضعف الإنسان إزاء الكون إذ يعتبره منفصلاص عن حقيقته وبعدّه حقيقة قائمة بحد ذاتها، يعمل على فهمها لأنها متعالية عليه، متجاوزة له وخارجة عنه.وفي هذا الانفصال يحصل التمرّد والرفض والمقاومة. أما إذا اعتبر الإنسان وجوده حقيقة لاتنفصل عنه ولاتقع إلى ماوراء كينونته، فيعلم أن ليس سوى الكون نطاقاً للتحقيق. وتكون الطريق شاقة وطويلة لأن واجبه يقضي بالتعرّف على حقيقة الكون التي هي حقيقته، على الموضوع الخارجي الذي هو موضوعه الداخلي، لكي يلمس أو يشعر أويتعقل الحقيقة المختبئة في سرانية الوجود وفي سرّانيته، ويدرك بأنها واحدة. وإذ يجهل الإنسان أن هذه الحقيقة المنطوية في الحقيقة الكونية السامية، أو في الوعي الكوني، كامنة فيه، يتمرد متأثراً بالجهل الذي يلقي به في متاهة ثنائية الوجود، أي مبدأ الانفصال. عندما يتأمل الإنسان الحقيقة السامية تصبح هذه الأخيرة موضوعاً وماهية، تماماً كما الطبيعة والكون. وتتبدّى هذه الحقيقة على نحو لغز يستحيل تجاوزه أو تعقله أو إدراكه،وتظهر وكأنها منفصلة عنه.وعندئذ، يسعى إلى فهم هذه الحقيقة المنطوية في الوجود عن طريق العقل، فيفشل.ويعود فشل الإنسان إلى اعتبار الكون ماهية منفصلة عن كيانه ومفارقة له، أو إلى طرق باب المعرفة من عدة مصادر مادية تؤدي إلى بعضها ضمن بناء واحد مغلق. ويجهل الانسان أنه تركيز للحقيقة السامية وأن داخله، أو جوهره، هو الباب الوحيد الذي يستطيع أن يطرقه ليلج إلى محراب السرّانية، وباطنه هو الكيان الوحيد الذي يريه الحقيقة المكنونة فيه، كما يجهل أن العقل، بقدر ما يمثّل المستوى الأعلى، يمثل، أيضاً، المستوى الذي يتجاوز النطاق الأدنى في سلّم الإدراك والوعي. لذا، يثور الإنسان، وتظل ثورته قائمة مادام عقله يفكر ويعجز عن بلوغ نتيجة حاسمة. تتمثل الثورة الفكرية في معارضة الوجود ومحاولة سبر عمقه، وفي محاولة دائبة لمعرفة المجهول وفهم كل ما يقع إلى ماوراء الحس؛ وتتمثل أيضاً في سعي الإنسان الى المعرفة، وتفهم صيرورته وسرّ وجوده. ولمّا كان المجهول متضمناً في كيانه ووجوده، فإن ثورته تعني السعي الدائم لفهم نفسه. لايتوقف الإنسان عن التساؤل على نحو ثائر: ما الوجود؟ كيف وجدت، ولمَ وجدت؟ ما الغاية القصوى من الوجود؟ وكيف يكون هذا الوجود بعد زوال الأشكال؟ وما الهدف الذي أتوخاه من وجودي أو تتوخاه الحقيقة السامية؟ ما الحركةوما السكون؟ كيف أحيا وما الطاقة التي تفعل فيّ؟ ما العقل الذي يُفكر، والنوم الذي استغرق فيه، واليقظة التي أشاهد من خلالها والموضوع، والشعور الذي أحسه، واللاشعور الذي يتحول إلى أفكار، والذكاء الذي يجمع حبّات الذاكرة، والروح التي تشمل الكون، والنفس التي توحّد أجزاء الجسد؟ ما المادة،وهل هي الموت أم حياة، كيان أم لاكيان؟ ما الطاقة التي تتناسب مع الكتلة وتظل موجودة بدونها؟ إلى أي حدّ أستطيع أن أعتبر وجودي وعياً؟ كيف يعمل الوعي المنبثق من اللاوعي ؟ ما الإرادة التي تكمن في الوعي وتنفذ محاكمته؟ هل كان الإنسان حصيلة سلسلة تطور تسامى من الأدنى إلى الأعلى أم تطور من الأعلى إلى الأدنى؟ هل أن هذه السلسلة تستمر في وجودها حتى تحقق إنساناً أكمل أو تبلغ المطلق؟ هي يستطيع الإنسان تحقيق هذه السلسلة الوجودية العظيمة خلال دورة حياتية واحدة؟ والحق، أن تضمّن هذه السلسلة في الإنسان قضية تجعل منه كائناً يحقق الكمال وذلك لأنه يشتمل على الكون في كيانه. هذا، لأن جسد الإنسان نتاج التطور الذي طرأ على الخلية الأولى التي صعدت حلقات السلسلة المتكاملة والمتصلة، واحتوت عناصر الطبيعة المادية كلها. وإذا كانت الحياة قد تكاملت واكتملت بظهور الإنسان، فإن الكائن البشري قادر على تحقيق الكمال. هكذا، يقف الإنسان أمام ذاته يحتار ويتساءل. وتتخذ الحيرة والتساؤل صورة الثورة الفكرية الإيجابية أحياناً وصورة الثورة السلبية المتمثلة بالانفعال والتمرد أحياناً أخرى. تنقضي الأجيال الإنسانية،ويظل العقل فاعلاً يتساءل عن حقيقة وجوده. والحق، أن هذا الفعل العقلي يتجلّى في فلسفة الثورة. فقد تساءل الفلاسفة والعلماء كثيراً وسعوا الى إزالة الغمامة الشفافة التي تعيقهم عن رؤية الحقيقة. واعتمدوا عقلهم لعلهم يفهمون؛ ووصفوا الفضيلة في صور وصيغ عديدة؛ وطرقوا أبواباً عديدة؛ وحاولوا أن يكتشفوا الطريق المؤدية إلى الحقيقة ويزيلوا كل عقبة تعيقهم. وظل الفيلسوف والعالم ثائرين على المجهول، يحاولان تجاوز الظاهر والاستغراق في باطنه الفارغ- الممتلىء بعقلهما، ويخترقان حدود الكون المادي ليدخلا إلى أعماقه اللامحدودة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية