تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


رأي... حرّية الفيلسوف..روحيَّــــة.. ورســــالته تحتفـــــي بالإنســـانية

ثقافة
الثلاثاء 21-1-2020
هفاف ميهوب

إذا كانت الحرية لدى الفيلسوف الفرنسي «جان جاك روسو» هي «هبة الطبيعة الأساسية» و«نسيج الوجود الإنساني برمته» لدى «جان بول سارتر» فيلسوف الوجودية «. إذا كانت هكذا لديهما،

فهي لدى الفيلسوف الروسي «نيقولا برديائيف»: «حرية الروح، وهي البداية الكامنة في الأساس الأوَّلي للوجود الذي تحدّد طريقه، ولا تتكشف إلا بتجربة الحياة الروحية، ويُكشَف عنها باختبارٍ عن العالم. الحرية ليست فقط بالتجربة مع العالم الخارجي الظاهري، كذلك لاتوجد في التجربة النفسية ولا مع أي طبيعة كانت، فالعَالمَان الطبيعي والنفسي دائماً حتميان..».‏

نعم، هكذا يرى هذا الفيلسوف الحرية التي دافع عن روح إنسانها وإرادته، رافضاً خيانة معتقداته الأساسية، ومُطلقاً صرخته: «إن ضروب التناقض وعدم الانسياق التي توجد في فكري، ماهي إلا تعبير عن الصراخ الروحي، وعن المتناقضات التي تكمن في قلب الوجود نفسه، ولاسبيل إلى إخفائها وراء واجهة من الوحدة المنطقية، وتكامل الفكر الذي يرتبط بكامل الشخصية، ماهو إلا وحدة وجودية لا منطقية، ويرتكب الفيلسوف الخيانة عندما يبدّل الموضوعات الأساسية في تفكيره الفلسفي».‏

إنه الدفاع الذي يعود إلى إيما نه بأهمية أن تكون الفلسفة الوجودية إنسانية، وهو ما ترسخ لديه على مدى تجربته الروحية والفكرية. التجربة التي أفشلت جميع الاتهامات والمحاولات التي سعت لإبعاده عن روح العالم ومعرفته، وعن حريته الكامنة بفلسفته: «لم أكن أسعى بوصفي فيلسوفاً، إلى مجرد اكتشاف المعرفة بالعالم فحسب، فلقد كانت رغبتي في معرفة العالم، مصحوبة دائماً بالرغبة في تغييره».‏

لاشكَّ أنها الحكمة التي جعلت منه متصوفاً لا يعرف إلا روح الحرية، وحرية الروح، والسعي الدائم لتحقيقهما وصولاً إلى الحب الذي هو صلة الوصل بين ذاته والإلهي.. الحكمة التي كانت سبباً في الآلام الدائمة التي كان يعاني منها، ولانشغاله بدعوة الإنسان إلى تحقيق الذات بتنمية المواهب والتجديد والوعي الباطني.‏

إذاً.. «ليس أمام الفلسفة الشخصية عمل أهم من اكتشاف الواقع الأصيل الذي يختفي وراء ستار العموم المصطنع».. إنها الفلسفة التي تبنّاها وأكّدت، بأنه ليس من شأن المجتمعات أن تملي شيئاً على الفلسفة، ولا أن تضعها موضع تساؤل واستنكار واستهجان وتشكيك، ولأنها بذلك تشكل عائقاً أمام الفكر المستنير، مثلما أمام كلّ ابتكار عقلي ونقد اجتماعي يهدف إلى عقلنة وإنسانية المجتمع.‏

كلّ هذا، يشير إلى أن وظيفة أو رسالة الفلسفة الحقيقية، تكمن في إيقاد الأفكار المضيئة لتحقيق الحياة والبقاء على قيد الأخلاق والإنسانية.. تكمن أيضاً، في سموِ الأفكار التي تسعى بأمانة ودون خيانة، لمواجهة اللامعقول الديني وتطهيره من العبث والشوائب والجهالة والتعصب والتشوه، بحقائق كونية روحية فلسفية.‏

باختصار. هي رسالة فلسفية وجودية، أو كما سماها «برديائيف» «شخصانية». رسالة فيلسوفٍ عاش المنفى بحنينٍ رغم أنه كان موجعاً، إلا أنه ارتضاه كي لا يكون خائناً، لأفكاره وفلسفته وإنسانه. الإنسان الذي كان بالنسبة إليه كائنٌا روحيا، وفي داخل روحه كل الصفات الأبدية السامية.. أيضاً، الذي صارحهُ عبرَ «فلسفة الحرية» و»معنى الإبداع» و«مصير الإنسان» و«الذات وعلم الأشياء» وغيرهم من المؤلفات الفلسفية: «عكفتُ طيلة حياتي على صياغة فلسفة من الحرية، إلى أن باتت تحركني روح الاستقلال في كل تفكيري وأفعالي.. لا يمكن أن أحب غير القدرة على الإبداع، ونشوة الفعل الخلاَّق»..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية