تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


البخلاء ... بلغة جديدة

كتب
الأربعاء 25-4-2012
لقد قام المحققون بجهود عظيمة في تحقيق هذا التراث الخالد أو أمات الكتب المتناثرة مخطوطاتها في مختلف جامعات العالم ومتاحفه، فنفضوا غبار السنين عن تلك الأسفار الخالدة وقارنوا وحققوا ودققوا وأثبتوا الصواب، والأستاذ نزار عابدين هنا يعيد تقديم البخلاء الكتاب الشهير للجاحظ بلغة تفهمها الأجيال الجديدة بسهولة.

فالجاحظ شيخ الأدباء أبو عثمان الجاحظ عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري ولد نحو سنة 775م في مدينة البصرة ونشأ فيها، وقضى فيها معظم سنوات عمره يخالط الأدباء والعلماء ويحبه الولاة والأعيان. ينعم باعطياتهم ومنحهم بما يصنفه لهم من الكتب وكما كان يكثر من زيارة الخلفاء العباسيين في بغداد وسامراء .‏

وظل بها مرة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران سنة 868م.‏

الجاحظ كان يشبه موسوعة متنقلة ،وقلما عرف التاريخ رجلاً أحاط بمعارف عصره كلها، لايكاد يفوته شيء منها كالجاحظ. فقد أتقن العلوم التي وضعت في الإسلام، وما دخل الثقافة العربية من علوم الأمم الأخرى، سواء منها ما كان أقرب إلى العلم والتحقيق ، أم ما كان من الأخبار والأساطير، يعد الجاحظ من أفضل رواة العربية وآدابها وأخبارها، قديمها وجديدها، واسع الرواية، دقيق المعرفة، ولعل معرفته العلوم نمت لديه سيطرة العقل في نقد الآثار وتمييزها، لكن أبرز ما في شخصية الجاحظ أنه كان إماماً من أئمة الكلام، وكان زعيماً من زعماء المعتزلة، وهؤلاء أعلوا شأن العقل، ووضعوه في المرتبة الأولى، وأنه كان كاتباً أديباً، ولا يكون المرء أديباً إذا لم يكن مرهف الحسن خصب الخيال، دقيق الملاحظة، نافذ الإدراك، قادراً على التغلغل في دقائق الأمور، وأن يستشف ما تبعث عليه اختلافات النفس، وفوق هذا يجب أن يكون متمكناً من اللغة ، قادراً على صوغ العبارة الحية النابضة وأن يكون مصوراً بارعاً، له عين الكاميرا، بل تبدو أحياناً أقدر على النفاذ إلى أعماق الصورة من الكاميرا، ليرسم الصورة بمختلف ملامحها وظلالها بكل بساطة ودقة وجمال، وقد يكون مرجع ذلك إلى أن الأدب ملتصق بالنفس ، مؤثر في الوجدان. لقد جمع الجاحظ بين دقة العالم وانطلاقة الأديب وعقلانية المعتزلة ولعل هذا يظهر في وضوح في كتابه (الحيوان) حيث حشد مختلف المعارف والنظريات العلمية السائدة في عصره.‏

وأبدى فيها آراء علمية قيمة ولكنه قدم هذا كله بلغة أدبية راقية ، بعيدة عن جفاء اللغة العلمية، وبألفاظ جميلة مناسبة بأسلوب سهل متبسط.‏

أما في الرواية فقد كان مختلفاً عن رواة عصره ومن سبقهم، فقد كان كل همهم أن يجمعوا الأشعار والأخبار ويقدموها وأقصى ما يفعلونه أن يتحروا صحة نسبها، أما الجاحظ فقد أطلق نزعته الفنية وعقله العلمي في هذه الآثار، بالقبول والرفض، والنفي والإثبات أو النقد اللاذع أحياناً ويبدو هذا واضحاً في كتابه «البيان والتبيين» فلا يكاد القارئ يجد معنى غثاً، أو بيتاً شعرياً غريباً، أو عبارة مستكرهة ، بل صاغها كلها بديباجة صافية إلى جانب الدقة الشعرية والمعاني بطريقة جميلة، لقد قسم الجاحظ الرواة إلى فريقين ، فقال في (البيان والتبيين) عن أحدهما: (ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى يحتاج إلى استخراج ، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل) وقال عن الفريق الثاني: (إنهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة ، والمعاني المنتخبة، وعلى كل الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة والديباجة الكريمة، وعلى السبك الجيد، وعلى كلام له ماء ورونق ورأيت البصر بهذا الجوهر في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أشهر).‏

واشتغال الجاحظ بعلم الكلام اقتضى منه الاطلاع الواسع العميق على المذاهب الدينية وعلى المناحي الفلسفية التي أتيحت للغة العربية، مع الاستعداد الفطري للنقد الذي ينظر ويحلل ويمعن في التحليل، وقد كان لعلم الكلام فضل كبير على الأدب العربي وعلى نشأة البلاغة العربية وتطورها، ولهذه الظاهرة مشابه عند الإغريق، تبيين الفلاسفة اليونانيين ظهر النقد الأدبي، باعتباره فناً ذا أصول وقواعد. وظل خاضعاً للفلسفة متأثراً بها وأولى الدراسات اللغوية الإغريقية ظهرت عند السفطائيين الذين تعلم منهم سقراط كما تعلم منه غيرهم.‏

ويبدو واضحاً في كتابات الجاحظ تأثره بهؤلاء ، ولا سيما في أنهم كانوا ممن امتلكوا ناصية البيان، وكان أسلوبهم من أجمل الأساليب وأكثرها مرونة وطواعية ، وهكذا نجد الجاحظ يمدح الشيء ويذمه بالقوة والسطوع والبيان نفسه.‏

فمن أبرز سمات كتاب البخلاء تلك الدقة في الوصف والتصوير، وكل قطعة من الكتاب شاهد قوي على قوة تصوره، ودقة ملاحظته وخصوبة خياله المبدع صورة من أدق الصور، بل كأنه يصوره في شريط سينمائي ولكنه يورد الصورة بالألفاظ والكلمات ، تاركاً لخيال القارئ أن يرسمها كما يريد.‏

والسخرية من أبرز صفات الجاحظ الفنية، والأصل فيها طبيعة الجاحظ ومزاجه، فقد كان رجلاً مرح النفس ، متهلل الخواطر، مطلق الوجه، نزاعاً إلى الضحك، يدعو دائماً إلى المزاج والمفاكهة، ومن هنا سلك في النقد مسلك السخرية اللطيفة التي تشير إلى مواطن العيوب وتصورها في جو مرح تتخلله بسمات الاستحسان ، وتضج في ضحكات السرور.‏

نجد في كتاب البخلاء مظهراً من مظاهر النزعة الأدبية الجياشة القوية الحسن السريعة الاستجابة التي يمتاز بها الجاحظ، فقد كانت الغاية من أحاديث البخلاء سياسية إخبارية لا تمت إلى الأدب والفن بصلة، ولذلك كانت بعيدة عن تصوير الحياة الاجتماعية، وتحليل البخل ونفسية البخيل، فأخذ الجاحظ هذا الموضوع وجعله موضوعاً أدبياً خالصاً، ومتعة فنية رائعة.‏

الكتاب: البخلاء أعاد كتابته بلغة جديدة نزار عابدين - صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب - قطع متوسط في 319 صفحة .‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية