تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


الخميس المقدس.. ثقـــــــــافـة واحتفـــــــــال

ملحق ثقافي
الثلاثاء31/1/2006
عبد الفتاح قلعه جي

ليوم الخميس موقعه بين أيام الأسبوع، ومكانته الخاصة في المعتقدات الشعبية والدينية، وهو يوم مقدس لدى بعض الطوائف فهو بمثابة الجمعة والسبت والأحد عند أصحاب الديانات السماوية الثلاث.

أما من يحرص على التعبد والنوافل من المسلمين فإنه يصوم الاثنين والخميس. ويعتقد النسوة في كتابهن الشعبي المحفوظ - اللباد - أن من يقص ثوباً يوم الخميس يموت، قائلين في محفوظاتهن: «البفصِّل يوم الخميس بفصِّل وما بقيس». ولكن تفصيل الثوب شيء والاحتفال بالعرس شيء آخر فقبل أن تنشأ دور الأفراح، وينتظر المرء دوره في حجزها، وحين كانت الأعراس تقام في باحات البيوت العربية الواسعة كانت أغلب الأعراس الحلبية تقام مساء الخميس ليلة الجمعة التماسا للبركة. ذكريات : ولأن الجمعة هو يوم عطلة وراحة فإن الخميس هو بمثابة الوقفة الأسبوعية فيه يحاسب رب العمل عماله فيعطيهم أجورهم، وأذكر وأنا صغير ابن السادسة كيف كنت أقف مع أوبة العمال في معمل النسيج بالكلاسة، وصاحب المعمل ينادي الواحد تلو الآخر من العمال ليعطيه أجره، وكثيراً ما كان ينساني ويظنني ابن واحد من العمال، أو يتناساني، ولم تكن أجرتي إلا بضع فرنكات قليلة، وأنا الذي كنت طيلة الأسبوع أحلم بها، وهكذا كنت أعود إلى البيت مختنقاً بالبكاء فتهدئني أمي الوفائية، وبما أنه لم يكن لديها من المال ما تطيب به خاطري فإنها كانت تغمرني بالقبلات المبللة بالدموع وتدعو لي بالرزق والتوفيق حتى أحس يقينا أن السماء ستمطرني في الغد فرنكات صفراً لمّاعة. خميسية: ويوم الخميس يطالب شيخ الكتاب «أجراته» بالخميسية، وهي المبلغ المتفق عليه أسبوعياً أجرة للتعليم. ولم يكن الأمر يكلف كما تكلف الدروس الخصوصية اليوم. وبما أن الشيخ عيدو- رحمه الله- معلم الكتاب كان ابن عمي فقد شملني الإعفاء من الخميسية، لكنني كنت أشارك الأطفال فرحتهم بعد دفع الخميسية والانصراف حيث كنا نتقافز ونطير الصواريخ الورقية مبتهجين بيوم الخميس يوم الفرح لأنه عتبة الجمعة يوم الراحة ونحن نهزج: «سبت سبوت. أحد نبّوت. تنين خشبيتين. تلاتا نارة. أربعا شرارة. الخميس فرحنا. الجمعة استرحنا .. هيه.. هيه». خميس المشايخ: عرف هذا الاحتفال في مدينتين هما القدس وحمص، ومنهم من يعيده إلى الاحتفال بانتصار صلاح الدين على الفرنجة أو لتشجيع المحاربين ضد الفرنجة الذين كانوا يستعملون الأبواق والطبول، فاستعمل المسلمون الطبول والمزاهر والصنوج. لا يوجد تاريخ دقيق يحدد متى كان أول احتفال بخميس المشايخ غير أن كتاب تاريخ حمص للسيد المكي يشير إلى احتفالات جرت عام 1135ه. وكان يتقاطر للفرجة جمهور من مختلف مدن الشام. في صباح الخميس تصطف الفرق الصوفية، وكل شيخ طريقة يركب حصانه ويسير الموكب باتجاه حي بابا عمرو( بحمص). ثم يصلون الظهر ويتغدون، ويتابعون المسير نحو جامع خالد بن الوليد. تبدأ النوبة بالعزف وهي تسير تحت ظلال السنجق بإيقاعات بطيئة ثم تتسارع. أما فرقة الشاشتري فتسير خلف فرقة النوبة في يد كل فرد منها طبلة صغيرة يضرب عليها. ثم تبدأ الدوسة حيث يستلقى عدة رجال على الأرض فيدوسهم الشيخ بحصانه من غير أن يصابوا بأذى . ويروى بعضهم الأساطير في ذلك حيث يؤكدون أنهم رأوا حصان الشيخ عبد الحميد حمام يطير فوق الأجساد الممددة فلا يلامسها. وتستمر هذه الاحتفالات حتى عصر الجمعة. وعادة ما تقام الدوسة في الساحة مقابل مقهى الدروبي. وعادة ما تختار كل فرقة موسيقاها وأناشيدها ومدحاتها الخاصة بها، ويكون المنشدون من ذوي الأصوات الجميلة. تقسم السناجق ( الأعلام ) إلى قسمين صغيرة وكبيرة، وتتميز بألوانها وزخارفها، ويحاول كل شيخ طريقة أن يتخصص بعلم مميز عن الآخرين فهنالك الأعلام الخضر والصفر والحمر ومن أهم السناجق سنجق سيدي خالد ( خالد بن الوليد) ذو اللون الأخضر والمصنوع من قماش المخمل اللماع والمطرز عليه آيات قرآنية تتصدرها الآية الكريمة” نصر من الله وفتح قريب “ إشارة إلى انتصار صلاح الدين على الفرنجة وفي هذا اليوم فقط يكتب المشايخ الحجابات ضد لسع الأفاعي وفيها خاتم سليمان ! خميس مريم: وللأطفال احتفالهم المقدس الخاص بأمهم مريم. يقع هذا العيد في نيسان في موعد خميس المشايخ نفسه، حيث يستيقظ الأطفال صباحا ويمضون فيشحدون الزهر من بيوت حاراتهم، طائفين على الأبواب صائحين: عطونا زهوركن حتى النبي يزوركن سبع أشكال وتمن أشكال لمريم بنت عمران (وقد يقولون : لفاطمة بنت عمران) تقرا لكن البخور، شموا وصلوا على الرسول، هادي زهورك يا مريم فاحت عطورك يا مريم عشباك الرسول، بتعطونا زهور، والاّ نخلع الباب والناجور. وبعد جمعهم الزهر يرشونه بالماء والعطر ويتركونه تحت السماء، ثم يستيقظون قبل الشروق، ويدهنون بماء الزهر أجفانهم اعتقاداً منهم أنهم لن يرمدوا طوال هذه السنة. خميس الرز: في قرية روحين في جبل سمعان مشهد فيه ثلاثة قبور، يقال إن الأوسط هو قبر قس بن ساعدة الإيادي، والقبران الآخران هما قبرا اثنين من الحواريين أو الرهبان سمعان وشمعون. كان هذا المشهد مهجوراً يؤمه اللصوص، ثم عمّره سديد الدولة مظفر الحلبي سنة 600هـ أيام الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين. وكان مصاباً بالفالج فبات فيه فشفي فنذر وباع كل ما يملك ليعمِّره مع الحمام والبستان، وحرر له عين الماء التي كانت مملوءة بالتراب. ووقف له الملك قرية روحين وعظَّم الناس أمر هذا المشهد فبنوا فيه العمائر وبركة للماء. كان أهل حلب يخرجون إلى هذا المشهد في يوم معين من السنة يسمونه خميس الرز، ويقابله في مصر خميس العدس. كان الزوار يفدون من حلب وحماه وحران وبالس (مسكنة) ويقيمون في المشهد احتفالات تضاهي احتفال أهل مكة بالحج، فهم يطهون الطعام ويقيمون الأذكار وينشدون المدائح ويقرؤون القرآن .وعادة ما يبدأ توافد الزوار اعتباراً من السبت ، وتستمر الاحتفالات لتصل أوجها يوم الخميس، وفي صباح الجمعة يبدؤون بالرحيل، فإذا حل المساء لم يبق في المشهد أحد. خميس البيض: وهو أول خميس بعد أحد الفصح، وكانوا يخرجون فيه وفي أربعاء الزوبعة الذي قبله إلى النزهة في البساتين قرب الدباغة في حلب. وتحتفل حماة أيضاً بخميس البيض حيث يأكلون البيض الملون بلون قشر البصل ويتطاقشون به. خميس الجسد: وهو الخميس الثاني بعد أحد العنصرة. خميس السكارى: وهي احتفالات كوميدية ماجنة من نوع مسرح الشارع المتحرك كانت تشهدها حلب في الخميس الواقع قبل بدء الصوم المسيحي، حيث كانت تشكل فرقة خاصة وتجهز نفسها بالألبسة والأكسسوارات الضرورية، حتى الملائكة المقدسون في هذا العرض يؤدون أدوارهم بشكل هزلي، وكان الممثلون في هذه الفرق يلبسون الأقنعة الضاحكة ويحاورون الناس في الطرقات وعلى الشرفات، ومن شخصياتها الهزلية: عبلة. الشيطان. محلوج ومحلوجة. ملاكان. وفي أربعينات القرن العشرين منعتها الكنيسة. ويمكن أن نعيد هذا الطقس الكوميدي الساخر إلى مرجعية ميثولوجية موغلة في القدم تعود إلى العهد البابلي حيث يستريح الإله أو الآلهة في يوم معين، فيستغل الناس هذه الفرصة وينطلقون في الملذات والمساخر. هذا جانب بسيط مما في جعبتنا عن الخميس المقدس واحتفالاته..ونأمل لكم أن تعود إلى هذا الوطن أيام السعادة والاحتفال.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية