تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


حسابات خاطئة

ملحق ثقافي
الثلاثاء31/1/2006
علي ديــــــــبة

روت لأمها حكايتها مع زوجها دون خجل ولا وجل : - لا أدري من أين أبدأ ؟ ولا كيف ؟ لا أدري ماذا أقول لكِ عن هذا الرجل الذي اسمه زوجي ؟ أكاد لا أعرفه، يأتي مساء وهموم الدنيا مرسومة بين حاجبيه،

يتناول طعامه بصمت، يتمدد فوق أريكته، لا يبالي بزوجة انتظرتْ مجيئه كما تنتظر عاشقة محبة حبيبها الغائب..لا أمرر وسيلة، ولا أترك سبباً من أسباب الراحة ينأى مبتعداً عنه .. أحرص على قهوة أقدمها ملائمة لذوقه، أنتظر منه رغبة أو طلباً، لأقف أمامه صارخة : شبيك .. لبيك، زوجتك بين يديك ..كل هذا لا يحرك فيه ساكناً، ولا يجدي معه نفعاً، يتمسك بصمته إلى درجة أظن معها أنه ابتلع لسانه، أو أن قطّاً غافله وأكل منه شقفة. هكذا يبقى شارداً، ينظر في دوائر تنبعث من لفافة تسمم فضاء بيتنا.. قاطعت الأم ابنتها لائمة : - مازلت لا تعرفين واجبك تجاه رجلك، خدماتك هذه ليست كافية لاستمالته، الرجل يعيش معظم أوقاته خارج منزله، إنها حياته، الطبيعة أعطت الرجل حق الانتقال والترحال والسعي طلباً للرزق، أمور كثيرة لا تستطيعها امرأة مثلك، كيف لم تحسبي حساباً لما يراه زوجك ويصادفه في كل مكان يكون فيه ؟ حافظي على زوجك، دعيه يرى نساء الدنيا مسكونة فيك، لا تظهري أمامه بمظهر واحد يألفه، قدمي نفسك لـه كل يوم، بل كل ساعة، كامرأة يراها أول مرة، فلا تسرق بصره امرأة تتلوى أمامه في مقر عمله، أو حتى في شوارع المدينة وساحاتها .. فكرت الزوجة بنصيحة أمها، أدركت خطأ ما تفعله وما تقوم به . هي رهينة البيت دائماً، ترهق نفسها بترتيب منزلها، بأعمال كثيرة لا حصر لها، طلبات الأولاد، لباسهم، طعامهم، حاجة زوجها للقمة طيبة تقدمها لـه بعد تعب النهار، كي لباسه وتحضير بدائل طارئة تليق بمقام زوجها وتزيده أناقة .. نظرت إلى نفسها متمعنة، تساءلت: كيف غابت عنها حقيقة لا يصح نسيانها أو تجاهلها ؟ لماذا تهمل شخصها كل هذا الإهمال ؟ خزانتها تغص بالأحمر والأصفر والأخضر، بالطويل والقصير، بالناهد والشفاف، بما يضفي على جمالها أنوثة وجمالاً، ويعيد إلى فراشها دفئاً افتقدته منذ سنوات . بعيد المساء فتح الرجل باب بيته، كاد يعود أدراجه ظناً منه أنه دخل بيتاً غير بيته، أو هو أمام ضيفة جميلة جلست هكذا في صدر البيت .. أسعفته ذاكرته، وضعته أمام عين الحقيقة، وقفت الكلمات في حلقه، ماذا يقول لامرأة تسعى لاستعادة خسارة نالت منها ؟ وجد نفسه يسألها مستغرباً وساخراً : - لا أظنك ذاهبة في زيارة ما في هذا الوقت المتأخر.. غضب ما راح يتحرك في أعماقه، تمنى لو يقول لها : تأخرتِ كثيراً، كيف لم تفعلي ذلك وتفهميه من قبل ؟ ذهب به ظنه إلى حماته، شعر بها تقف في زاوية البيت تنظر إليه بعينين لائمتين ..أحسها تفرض عليه رغبة، كان قد دفنها قبل سنوات، نظر إلى زوجته، خاطبها ناهراً : - ألا تخجلين ؟! لعلك تظنين نفسك صغيرة ؟ فكري بأولادنا، لا تفكري برغباتنا.. خافت الزوجة من رجل يعيش في بيتها، ولا يعيش معها، رمت باليأس بعيداً، سعت بما تملك لاستمالته، حفاظاً على بيتها من نازلة ليست بحسبانها .. مساء يوم بارد، فاجأ الرجل زوجته، خاطبها بصوت مرتعش، دلّ على إعياء وتعب نالا منه : - أنا تعب بعض الشيء، نصحني الدكتور بالسكينة والهدوء وعدم الإجهاد .. حيرة ما سكنت رأس المرأة الخائفة، كل صباح ينهض رجلها من فراشه نشيطاً، يحلق ذقنه، يحتسي قهوته، يختار أفضل ثيابه..ويخرج من غير آهة أو أنة يتلفظ بها لسانه، كأنه يحمل المرض في جيبه، يضعه أمامها كل يوم،عند عودته في ذلك الوقت من المساء . لاشيء يلغي شكها، أو يعترض على حيرتها سوى حبات من الدواء، يبتلعها أمام عينيها بعد العشاء، برفقة كأس من عصير البرتقال والليمون . تُرى ما هو مرضه ؟ مما يشكو ويعاني ؟ لماذا يصمت على آلامه ويتكتم عليها ؟ هل تشكّل خطراً على حياته ؟ فيفضل طمأنينة تسكن بيته، على خوف يزرع القلق في جنباته . أسئلة كثيرة ظلت معلقة أمام رغبة تضطرم في روحها، لا تجد لها جواباً، ولا تعرف لحلها طريقاً .. وأي جواب يمكنها قبوله ؟ وهي تسمع زوجها يختلق لها أعذاراً، وحكايات عن أعراض مرضه اللعين . مرة يدعي السهد والأرق، وأن النوم يهرب من عينيه ولا يقاربه قبل الساعة الأخيرة من الصباح، ومرة يروي لها رواية عن حكاكٍ ينال من جلده، وكيف ينزوي خجلاً إلى مكان ما ليقوم بما يريحه من بلواه ..ماعدا الصليل في عظامه، وبرودة يشعر بها تسري في عروقه .. وما هذا الدواء الذي يتناوله سوى مهدئات، تساعده على النوم، وتبعد عنه نوبات الحك، في لحظة لا تعطيه فرصة يمد فيها أظافره إلى جلده . فضول دفع بالمرأة إلى غاية لم تكن تدركها، مضت بذلك الدواء إلى أقرب صيدلاني تعرفه، وضعته بين يديه، ارتعدت أمام سر أرّقَ حياتها لشهور خلت . ابتسم الرجل متخابثاً، قال لها جازماً : هذا ليس دواء بمعنى الدواء، هذا منشّط، والآخر مقوي، أما هذه الحبات الزرقاء فهي ذلك الدواء .. الذي يسمونه الفياغرا..‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية