تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


لماذا تقدموا وتأخرنا؟..

إضاءات
الأثنين 16-9-2019
د. خلف المفتاح

منذ بداية القرن التاسع عشر بدأت الإرهاصات الأولى لمشروع نهضوي عربي وجد مرتسماته الأولى في عهد محمد علي في مصر

وهو الألباني الأصل عروبي الانتماء حين شهدت نهضة علمية واقتصادية وثقافية واضحة المعالم صاحبها تحرك باتجاه بلاد الشام حيث يقبع البلدان تحت السيطرة العثمانية بكل ما حملته من تخلف وجهل واستبداد وتتريك وقد واجه ذلك المشروع النهضوي مواجهة من قوى الغرب الاستعماري الذي وقف إلى جانب السلطة العثمانية على الرغم من عدائه لها بهدف إعاقة مشروع محمد علي الهادف إلى توحيد مصر وبلاد الشام وقد نجح الغرب والسلطنة في منع قيام ذلك الحلم ولعل السؤال المطروح منذ ما بعد تلك النهضة وحتى الآن لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب وهو سؤال جدير بالوقوف عنده والإجابة عليه بهدف تلمس طريق الانتقال بالمجتمعات العربية إلى مسار الحضارة العالمية والالتحاق بعناوين القرن الواحد والعشرين حيث تقود الركب المجتمعات الغربية ومن اقتفى أثرها من شعوب العالم ولا سيما دول جنوب شرق آسيا ولا شك أن هذا السؤال مطروح كما أشرنا منذ مئات السنين حيث طرحه رواد النهضة العربية ويؤخذ على الطرح بأنه تركز على الإنتاج المعرفي دون النظر إلى أدوات المعرفة التي تطرح المنتج بمعنى تم التركيز على السلعة دون المصنع الذي هو العقل المنتج وهنا تبرز الحاجة للتركيز على الأدوات والرؤى والمفاهيم والمناهج التربوية وموقع العلم منها ومساحاته فيها وهي القادرة حقيقة على إحداث التغيير المطلوب من خلال دورها المأمول في صياغة العقل المبدع والمنتج.‏

إن تقدم أي مجتمع - وهذه حقيقة تاريخية - ينطلق من العنصر أو العناصر الفاعلة في حقله المعرفي وهذا هو حال المجتمعات قديمها وحديثها فإذا كانت الفلسفة هي العنصر الأساسي في التجربة اليونانية حيث شكل سقراط وأفلاطون وهيراقليطس رافعتها فإن العلم والتجريب كانا العنصر الفاعل والأساسي في الحقل المعرفي الغربي حيث غاليليو وديكارت أخرجا الثقافة الأوربية من عصر اللاهوت إلى عصر الفيزياء والكيمياء ومن التعامل مع ما وراء الطبيعة إلى البحث في الطبيعة ذاتها.‏

وإذا كان العنصران الأساسيان في الثقافة اليونانية والأوربية هما الفلسفة والعلم والتجربة فإن تحليل العقل الثقافي العربي يشير إلى أنه تركز بشكل أساسي على البلاغة والأدب والفقه والنحو بشكل أساسي ما يعني أن العنصر الأساسي في الحقل المعرفي العربي هو اللغة والبيان والفقه أو علوم اللغة ما يعني أن ثمة فارقاً كبيراً بين الناتج الثقافي العربي والناتج الثقافي الغربي فهذا يتعامل مع الطبيعة والكون والمعرفة التجريبية ويتقدم وفقهما وذاك يتعامل مع البيان والصيغة اللفظية وشرح المتون ويبدع فيهما بلا شك ولكن لم يكن للجدل والعلم والفلسفة المساحة والحيز الأساسي فيها إلا في حدود الخلافات والاجتهادات الفقهية التي طالما تأثرت بالمذاهب الدينية أكثر من خضوعها للمنطق العلمي الموضوعي التحليلي.‏

إن التعامل مع النصوص يختلف تماماً عن التعامل مع الطبيعة والكون لأن النصوص تتميز بثباتها وسكونيتها خلاف الطبيعة حيث سمتها التغير والتبدل والعمق وتتسع وتتعمق دائرة الكشف والاكتشاف ما يعزز من دور العقل والتجربة في تحرير الإنسان من قيود الطبيعة ويمكنه من تطويعها لمصلحته بدل سيطرتها عليه وعلى تفكيره ووقوعه تحت رحمتها وهنا نصبح أمام عقل مبدع مغامر بدل عقل سلبي متلق خاضع وسكوني وما يستتبعه ذلك من حالة جمود للفكر واستقالة للعقل والإرادة الإنسانية المقتحمة والمغامرة في بحثها عن الحقيقة وسر الوجود والحياة.‏

لقد كان العلم والمعرفة والتجربة الأساس الذي قامت وما زالت عليه المجتمعات الغربية وهو الذي يفسر سر تقدمها ونجاحها على الصعيد التاريخي وهذا كله كان بمعزل عن السياسة فما لقيصر لقيصر وما لله لله بينما نجد نقيض ذلك في المجتمعات العربية والإسلامية فالدور الذي قام به العلم والعلماء تحكم به الساسة أو السلطة على وجه العموم حيث لعبت دوراً سلبياً في ذلك وتوظيف العلم والثقافة بما يخدم مصالحها ووجودها وهذا يطرح سؤالاً مهماً يتعلق بعلاقة وموقع العلم والمعرفة والثقافة بإيديولوجيا السلطة في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية ودورها السلبي في إجهاض كل حركة فكرية وفلسفية لا تنسجم مع مصالحها وفلسفتها السياسية إن لم نقل غير ذلك وهذا يعود بنا إلى العصور التاريخية منذ الدولة الأموية والعباسية وما بعدهما وحتى بدايات القرن التاسع عشر يستثنى من ذلك كله عصر المأمون ومحمد على باشا في مصر.‏

لقد هيمنت السلطة السياسية في المجتمعات العربية والإسلامية تاريخياً على واقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية فكان الكتاب والمثقفون على وجه العموم- خلا حالات استثنائية- لسان حالها يضاف إلى ذلك الاصطفافات الفئوية حيث لم يحددها الحاضر بضروراته كما هو شأن المجتمعات الغربية وغيرها من مجتمعات احتلت مساحة مهمة في حقل الإنتاج الحضاري المعرفي وإنما تحكم بها الماضي بدلالته السياسية ورمزيته وليس بما يملكه من أفكار وحجج منطقية فلم تعد الفكرة تحمل جاذبيتها بذاتها وإنما من التوصيف والتصنيف السياسي والمذهبي والديني لمطلقها.‏

والحال: إن نهضة حقيقية تجعل مجتمعاتنا قادرة على الالتحاق العملي بركب الحضارة العالمية تحتاج لوقفة نقدية لبنيتنا الثقافية وعقلنا الجمعي وتحرير العقول والمجتمعات من كل آفات الماضي وهذا لا يعني القطيعة معه والتعامل مع التاريخ بوصفه حركة إلى الأمام وليس حديث ذكريات والانطلاق إلى مجتمع المعرفة والابتكار والإقرار بتاريخية الماضي ومقولاته والتعامل مع الحاضر بقاموسه لا بقاموس الماضي وتكريس ثقافة العلم والمعرفة وسيادة القانون واحترام الإنسان بوصفه إنساناً وكائناً ثقافياً ومثقفاً.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 خلف المفتاح
خلف المفتاح

القراءات: 5147
القراءات: 229
القراءات: 121
القراءات: 220
القراءات: 133
القراءات: 179
القراءات: 164
القراءات: 166
القراءات: 192
القراءات: 155
القراءات: 158
القراءات: 165
القراءات: 166
القراءات: 187
القراءات: 220
القراءات: 233
القراءات: 194
القراءات: 293
القراءات: 253
القراءات: 255
القراءات: 193
القراءات: 251
القراءات: 255
القراءات: 356
القراءات: 333
القراءات: 475

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية