تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


سيرة الحب (55).. أبو نايف الإسفنجة

ساخرة
الخميس 7/8/2008
خطيب بدلة

كنا جالسين, صديقي أبو الجود وأنا, في مقهى الريحاني, نحتسي الشاي, وكان هو يدخن الأركيلة وأنا أحاول النبش في ذاكرته التي تشبه المنجم المليء بالفلزات الثمينة.. وفجأة وقع بصره على رجل عابر بجوار المقهى, فقال لي وهو يحاول إبعاد بصره عنه:

انظر إلى ذلك الرجل, تأمله جيدا, وبعد قليل سأحدثك عنه.‏

وبعد أن خرج الرجل من الكادر- على حد تعبير المخرجين التلفزيونيين- قال لي وهو يخفي ابتسامة عريضة:أنت تعرف أن الناس يتعرفون على بعضهم بعضا في الأعراس, أو في المتنزهات, أو على البلاجات, والمنتجعات, وأما أنا, وهذه حقيقة, فمعظم الذين أعرفهم وتربطني بهم صداقات قديمة, عرفتهم في أماكن شنيعة من أيام اللهوجة والركض والغبار وقلة القيمة.‏

خذ مثلا الرجل الذي مر من هنا قبل قليل, فقد تعرفت عليه في نظارة التوقيف في المخفر الغربي, وكان ذلك في أوائل الستينيات حينما اصطدمت أنا مع رجل وجه إليَّ عبارة نابية عند باب السينما, فضربته على رأسه ضربا قويا ,جعله يكش ويتناقص طوله مثل ( قبوط الكسيب!) ويصيح بالمقلوب مثل الجقل, ولم أكن أدري حينئذ أنه ذو منصب إداري رفيع, فأمسكني رجال الشرطة, وأدخلوني في النظارة.. وكان أبو نايف قد دخل النظارة بعد أن قدم شكوى على أحد المدينين له ببعض النقود, فعاجله الرجل المدين بدعوى أمام النيابة العامة, زعم فيها أن أبا نايف تحرش بابنته, وجعل ابنته تمثل دور المتحرش بها أمام القاضي على أكمل وجه, وأنت تعلم أن القانون يقبل دعوى التحرش من أية امرأة أو فتاة ضد أي شاب أو رجل دون أن يكون لديها أية دلائل أو شهود, ويعتبرونها شاهدة للحق العام, لذلك بقي أبو نايف موقوفا حتى أسقط دعواه عن المدين له بالمال, لقاء إسقاط الفتاة حقها عليه بالتحرش.‏

قلت: هل هو من هنا من إدلب?‏

قال: بل إنه ريفي سكنت أسرته في إدلب منذ زمن طويل, وربما يكون قد ولد فيها. اسمه محمود ويلقب بأبي نايف, وله لقب آخر يتداولونه في ساحة البلد هو الاسفنجة, وقد اشتق هذا الاسم من كونه جشعا وطماعا ومهما جمع من المال لا يشبع, مع أن ربع هذا المال يكفيه, فعائلته تتألف منه ومن زوجته وابنتين صغيرتين.‏

قلت: وهل لك معه موقف أو ذكرى?‏

قال : بل إن لدي ملفا من المواقف والحكايات طويلة وعريضة عنه, فبعد خروجنا من النظارة, ضربنا مع بعضنا صحبة لا تستطيع الكلاب الجارحة تقطيعها, وكلما التقيت معه يحصل أمر مضحك أو أكثر.‏

قلت: إذن أتحفني ببعض هذه الحكايات.‏

قال: في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات دخلت إلى بلادنا كميات كبيرة من الألبسة المستعملة التي سميناها في سورية ( البالة) وسميت في مصر ( روبابيكيا) ولأن الإسفنجة, كما أسلفت طماع وجشع وبخيل, سرعان ما تعلق بالبالة وأصبح من أكبر دعاتها, ومن أصحاب الخبرة الرفيعة في شؤونها, صار يعرف ما أفضل أنواع البالة, ومتى يفتح بائعوها بالات جديدة ويبيعون القطع الممتازة, ويعرف أيضا كيف يشتريها بأرخص الأسعار, خصوصا حينما يكون في القطعة ثقب صغير,وقتها يستطيع أن يشتريها بثمن بخس, على عيبها.‏

ذات مرة اشترى أبو نايف الإسفنجة بنطالا وقميصا من دون جيوب! أنت تعرف أننا نحن السوريين مولعون بالجيوب, فالبنطال لدينا مزود بخمسة أو ستة جيوب, والقميص شرحه. على ما يبدو أنه اشتراهما بتراب الفلوس على عيبهما, وكان قد حصّل مبلغا من أحد المدينين له, ووضع المبلغ في فمه, ثم ركب دراجته الهوائية ( البسكليتة) واتجه جنوبا نحو منزله الكائن في حي البيطرة, وبالمصادفة المحضة التقيته, فقلت له:‏

مرحبا أبو نايف.‏

فقال لي: أهلين أبو الجود.‏

وفي تلك اللحظة أفلتت النقود من فمه, ومن خوفه عليها, اضطرب توازن البسكليتة. ووقع أبو نايف من فوقها, وركض وراء القطع النقدية التي شرع الهواء يدحرجها ويسفها في كل الاتجاهات ,وطوال ما كان يركض وراءها, ويلتقطها واحدة إثر أخرى كان يردد غاضبا:‏

تضرب في شكلك يا أبو الجودأ أنا عاتب عليك أن تسلم عليَّ وتقول لي مرحبا أصلا أنت واحد غلس السلام عليك خسارة. تضرب في شكلك,تضرب!‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية