تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


تقاسموا الرغيف والخرطوش.. بهذه الروح من الغيرية الوطنية صنعوا ملحمة الجلاء

دمشق
اقتصاد
الثلاثاء 16-4-2013
بشار الحجلي

يكتسب الاحتفال بالذكرى السابعة والستين لعيد الجلاء أهمية بالغة فرضتها طبيعة المعركة التي تخوضها سورية اليوم بكل بسالة وثقة بالانتصار في مواجهة قوى الشر والعدوان

التي اجتمعت من مختلف بقاع الأرض لتنفث حقدها الأسود ضد شعب آمن ووطن سيد مستقل يعرف كيف يصون كرامته ووحدته وسيادته ببطولات أبنائه الميامين وتضحياتهم التي شكلت رصيدا مهما يبنى عليه مستقبل البلاد التي تستعد اليوم لإعلان انتصارها على جيوش القتلة التكفيريين الذين جاؤوا من قاع الحياة ينشرون أفكارهم المسمومة وحقدهم الأسود خرابا ودمارا وقتلا وتنكيلا واستهدافا لكل أشكال الحياة لا يفرقون في عدوانهم المدعوم من عباءات الذل العربي والارتهان للأجنبي المستعمر كرامة لعيون سيدة الإرهاب على هذه الأرض «إسرائيل» وأذنابها وداعميها ومسانديها .‏

اليوم حيث تمر الذكرى بما تحمله من معان خالدة ودلالات عميقة حول الدروس المستفادة من يوميات الجلاء، نستطيع القول بما لا يترك مجالا للاجتهاد إن سورية التي شكلت عبر التاريخ مهد الحضارات البشرية، وكانت النور والمنارة في حجم ما قدمته من معطيات حضارية ، شكلت لديها رصيدا مهما أعطاها ميزة التفرد والتفوق، إضافة لما تعنيه دلالات التاريخ والجغرافيا والموقع السياسي المميز الذي توجها بامتياز حاملة للهم القومي العربي وللمشروع النهضوي الحضاري في وجه مشاريع الإلغاء والهيمنة والاستعباد ونهب خيرات الشعوب، وإلغاء سيادتها الوطنية واستقلالها، من هنا ندرك حجم الهجمة الاستعمارية الشرسة التي استهدفت سورية التاريخ والجغرافي والشعب والسيادة والقيادة والموقف .‏

يأتي الاحتفال اليوم ركيزة لشحذ همم أبناء الوطن الشرفاء على المزيد من الصمود وهم الذين ما بخلوا بالعطاء والبذل والتضحيات ، فأصبحوا النموذج والصخرة التي تتكسر فوقها أحلام المستعمرين وأدواتهم من عربان الذل والنفط والغاز ومن طامعين حالمين باستعادة مجدهم السحيق تحت أقدام أبناء سورية الذين أكدوا للكون أنهم شعب يستحق الحياة ويعرف كيف يواجه المستعمرين الطامعين يوم حطم سلطانهم الجائر وسلطنتهم الكرتونية التي أحرق ذيولها أبناء هذا الشعب الأبطال فكتبوا ملحمة الصمود والكبرياء وعدم القبول بالذل والهوان ولا بديل عن الاستقلال والسيادة .‏

ملحمة شعب يستحق الحياة‏

الجلاء كما يفمهه السوريون، هو يوم العزة والحرية ، فقبل سبعة وستين عاما وتحديدا في السابع عشر من شهر نيسان لعام 1946 اختتمت سورية المجاهدة حقبة حالكة من ليل طويل ، فنجحت بإصرارها ونضال شعبها في طرد المستعمر العثماني ولم ترهبها مشانق سفاحه فرسمت مع تضحيات أبنائها الميامين ملحمة انتصار ما بدأت حتى ابتليت باستعمار من لون آخر فأشعلت الأرض تحت أقدام المستعمرين الفرنسيين وانطلقت من مختلف البقاع بيارق الكرامة والاستقلال ترفرف فوق ربوع سورية، فمن ملحمة ميسلون البداية ، يوم علمهم الشهيد البطل يوسف العظمة أن سورية عصية على المستعمر، ولن يدخلها إلا على أجساد أبطالها، الذين مدوا ببطولاتهم جسور العبور إلى المجد الكبير الذي تحقق بجلاء آخر جندي مستعمر فرنسي عن التراب السوري الطاهر الشريف بفضل ما قدمه أبطال الثورة السورية الكبرى من بطولات وتضحيات قل مثيلها ليكتبوا فوق جبهة الشمس ملحمة الصمود ، ملحمة شعب يعشق الحياة فاستحقها.‏

دروس مستقاة من ملحمة الجلاء‏

قد يكون من الصعب بمكان الحديث عن دروس وعبر ملحمة الجلاء العظيمة في عجالة من الزمن حيث من الصعب اختصار كل هذه السنوات من الرصيد الوطني بحديث مقتضب ، فدروس الجلاء أكثر من أن تعد ، لكن من باب التذكير وللذكرى سنحاول ما استطعنا تسليط الضوء على جانب يستحق الحديث حوله يلخصه سؤال يقول : كيف استطاع السوريون تحقيق الانتصار على قوة كبيرة مدججة بأحدث تقنيات وأدوات المعارك في تلك الفترة مقابل امتلاكهم السلاح الفردي البسيط في مواجهة الدبابة والمدافع والطائرات التي كانت تلاحق الثوار في كل مكان ، وكيف انتصر هؤلاء قليلو العدد والعتاد على معركة البطون الجائعة حيث الفقر والعوز والحاجة للخرطوش والسلاح ولوسيلة الانتقال ؟‏

سؤال طالما ردده الباحثون في دروس ملحمة الجلاء الكبرى في سورية فالكل يعرف حجم الإمكانات التي ملكها الثوار والتي كان أبرزها إرادتهم وتصميمهم على المواجهة حتى نيل الشهادة أو تحقيق النصر ، هذه الإرادة الحية المستندة إلى إيمانهم بحقهم في الحرية والاستقلال جعلت الفرد يملك طاقات جيش جرار، خاصة إذا كان تصديه دفاعا عن كرامة الوطن وحريته وسيادته واستقلاله.‏

من هنا نفهم تسابق الثوار لنيل مبتغاهم فزرعوا الخوف في نفوس الغاصبين ونجحوا في انزال الهزيمة بهم فهم الأولى بالدفاع عن وطنهم وأرضهم وعرضهم وهم أصحاب الأرض والحق فمن ملك إرادة الانتصار لا بد أن ينتصر.‏

بهذه الروح وبسلاح الإرادة الوطنية خاض أبناء سورية معركتهم ضد المستعمرين ، وتجسيدا لهذه الروح كان شعارهم الواحد للكل والكل للوطن ، لهذا قدموا وما بخلوا وتسابقوا إلى ميادين القتال حتى أنهم تقاسموا رغيف الخبز والخرطوش وتشارك عدد منهم على امتلاك بندقية متخلفة ،وبعض خراطيش ، فمنهم من خرج بالسيف والبلطة والحزام ، ومنهم من أغلق فوهات المدافع بعماماتهم الشريفة . لم يطلبوا من وطنهم ثمنا لبطولاتهم فكانت التضحيات ركائز مجد بنت سورية فوقها مجد الجلاء فانطلق صوتها للكون نحن من نستحق الحياة فلن يهزمنا حقدكم ولا ارتهان وعمالة بعضكم ولن تغرينا أموالكم القذرة ولن تثنينا إغراءاتكم وتهديداتكم عن استمرار شموخنا فنحن وحدنا من يتقن قراءة التاريخ وسورية وحدها التي صنعت ملحمة الجلاء تعرف كيف تصوغ بكبرياء ملحمة انتصارها .‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية