تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


اعتدال رافع بعد عام على رحيلها..تنتصر للحيـــاة والإبـــداع وتعشـــق دمشــق اليــاسمين

ثقافة
الاثنين14-10-2019
فاتن أحمد دعبول

لم تكن حياتها إلا سلسلة من الحكايات المؤلمة، فمن طفولة معذبة إلى صراع مع المرض يدوم 25 عاما، لينتهي بها المقام في دار للمسنين، ومن ثم رحيلها بصمت بعيدا عن الأهل والأصدقاء، فقط قلمها هو الذي أبى إلا أن يكون رفيقها حتى آخر رمق من حياتها.

وفي ندوة أقامتها الهيئة العامة السورية للكتاب بالتعاون مع وزارة الثقافة، مركز ثقافي «أبو رمانة» احتفاء بالأعمال الكاملة للكاتبة الراحلة اعتدال رافع وبمناسبة مرور عام على وفاتها، يقول د. ثائر زين الدين مدير عام الهيئة العامة السورية للكتاب في إدارته للندوة أن الكاتبة كانت لها خصوصية لافتة في حياتها وكتاباتها، فقد كتبت القصة القصيرة وقصيدة النثر والخاطرة، ونشرت العديد من كتاباتها في الإعلام السوري واللبناني، فشكلت بذلك أنموذجا عن الصلة العميقة بين سورية ولبنان كونها من مواليد لبنان الشقيق.‏

أبدعت في سورية، وأحبت دمشق عشقا، لكن المرض هيمن على حياتها، وعملت على مقاومته بالكتابة والإبداع، وهذا ما ظهر في كتاباتها الأخير التي تفيض حزنا وألما، لكن بإرادة صلبة حولت مأساتها في المرض إلى إبداع حقيقي.‏

نهلة السوسو: شخصيتها لا تشبه إبداعها‏

وفي حديثها عن شخصية الكاتبة اعتدال رافع وقد ربطتها بها علاقة صداقة استمرت طويلا، تقول نهلة السوسو: اتسمت شخصية اعتدال بنمط فريد من نوعه، وخصوصا في علاقتها مع نفسها وعلاقتها مع الآخرين، ولدت في لبنان وعاشت في سورية وربطتها بها علاقة من العشق الكبير، فكانت تحزن لما أصاب سورية في الحرب وتبكي بكاء مرا وهي التي عانت ما عانته من الحرب الأهلية في لبنان.‏

واللافت أن ما تكتبه اعتدال لا يشبهها في شخصيتها التي اتسمت بالحزن والقلق الدائم والغضب أحيانا، فعالمها الشخصي في واد وكتابتها في واد آخر، وكانت تربطها بمحمد الماغوط صداقة حميمة ويقول لها «أنت الطفلة الجدة»، في داخلها صوت يصرخ، تحاول أن تصرخ ولكن لا صوت لها، تحارب على الجبهات كافة لكن دون سلاح، وتتحدث عن ذكرياتها وماضيها كأنها تتحدث عن شخص آخر، واستطاعت أن تكمل دراستها في التاريخ بعد زواجها من الفنان أنور البابا.‏

ومن مؤلفاتها قصة «رجل دافىء في موسم البرد، امرأة من برج الحمل، الصفر، بيروت كل المدن، شهرزاد كل النساء، يوم هربت زينب، صيف بارد، رحيل البجع، بوح من زمن آخر..».‏

كانت تملك روح الصبا، وتعشق الأناقة والألوان، قلمها صادق لا يقبل التزييف، قاومت المرض سنين طويلة كانت الكتابة سلاحها الوحيد ولكن الأجل أبى إلا النيل منها وقد خلفت إرثا هاما في عالم الإبداع الحقيقي.‏

د. ماجدة حمود: أديبة متمردة‏

وتتلمس د. ماجدة حمود في مشاركتها خصائص أدب الكاتبة اعتدال رافع التي تصفها بالكاتبة المتمردة، وقد استطاعت أن تقاوم مرضها وظروفها القاسية منذ طفولتها، وبحثت عن عالم مأهول بالاخضرار، لأنها تؤمن أن موتها المعنوي أصعب من موتها الجسدي، لذلك كانت تخاف على روحها من الترهل والصديد، فغابت في أعماق أوجاعها وأترعتها بحروف تغذت من دمها، وواجهت قهر الحياة بالكتابة التي كانت خير دواء لها، وبالإيمان الصوفي حيث بنت خلاله علاقة خاصة مع الله.‏

وكانت تتوجه إلى الناس عبر خطاب عام تقول لهم «وظفوا أوجاعكم من أجل الحياة والمستقبل» وبناء على ذلك يجب تجاوز الماضي بكل عقده وذنوبه، ونسخر وجودنا المنسجم الإيقاع للحياة.‏

والخطوة الثانية أن نعيش اللحظة الحاضرة وعدم الاستسلام لليأس بل التوجه إلى الإبداع والعمل، ولا مفر من العودة إلى الحلم لأنه يقدم بعض العزاء «أكتب فرحا، لا قيمة للحياة دون حلم، والحالمون عبر التاريخ كانوا فرسانه وعشاقه الحقيقيين حتى لو كانت الكلمة موتا..»‏

وتتجرأ الكاتبة لتعلن معاناتها من المجتمع الذي تهيمن عليه عادات القبيلة ومحرماتها التي تخنق الحب وتقهر المرأة، فهي تنتصر للحب ويؤلمها تشويهه تقول «نجر الحب إلى ذلنا، نمسخه ونضغطه، كي نفهرسه في قاموس ذلنا التاريخي اليومي، ثم نلفظه ونتحاشاه كأنه وباء، لأننا الأصغر والأضيق على احتوائه.. الحب يخلصنا من كل مالحق بنا من عبودية ولعنات وإهانات..».‏

كما عرفت برغبتها في العطاء، فنجدها تهتم بالآخر وتخاطب المبدع وترشده كيف ينقذ روحه من الألم والضعف كي لا يسقط في هوة الانهيار والموت، وتستخدم لأجل ذلك صورة يلمح فيها المتلقي دعوة من يعاني الاقتراب من الموت لكنه يبحث عن خلاصه فيفر إلى الحياة.. كما أنها ابتكرت لغة الفرح التي تلتقي بلغة الحب.‏

سيرة الأديبة الراحلة اعتدال رافع حافلة بالمتناقضات والحزن والألم، ولكنها استطاعت أن تترك إرثا غنيا يحكي معاناتها مع المرض وانتصارها عليه في جولات كثيرة، وقدمت للمتلقي جرعات دافئة من الأمل بالحياة والتحدي والتماهي مع الصعوبات للانتصار عليها في أعمال ربما تكون رصيدا للقارىء يجد فيها ضالته.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية