تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


يا لَمستوى المعيشة..!!

حديث الناس
الأربعاء 29/6/2005م
علي محمود جديد

إنها حالة سوداء بمختلف المقاييس تلك التي يعيشها آلاف العاملين في القطاع العام الإنشائي, على مرأى ومسمع الجميع, وكأن شيئاً لم يكن..!!

عشرات الزوايا, عشرات التحقيقات الصحفية والريبورتاجات, مئات الأخبار, عشرات الأحاديث اليومية من هنا وهناك المعبرة عن ذلك الغبن الشديد, لأولئك العاملين وأسرهم, حياة ملؤها الفقر والحاجة, وقد وصل الكثيرون منهم, أمام معاناتهم, وآلامهم القابعة فوق رؤوسهم, الى المجازفة بمستقبلهم وخرجوا متظاهرين, ليعبروا عما يعانونه, وليستبدلوا بالكلمة اللطيفة والمطالبة الهادئة, صراخاً مرتفعاً علهم يسمعون أصواتهم, الى كل من أغلقوا آذانهم, ومنعوا مطارقها من الضرب على أغشية الطبل عندهم كي لا يسمعوا شيئاً..!‏

إن صم الآذان عن المعاملة الظالمة لهؤلاء العاملين, والمتمثلة في التأخير غير المعقول بتسديد الرواتب والأجور لخمسة, وستة, وسبعة أشهر أحياناً.. لم يعد مقبولاً ولا مفهوماً..!!‏

هل يعقل أن أي مسؤول عن كل مثل هذه القضية, في الدولة, لا يسأل نفسه مرة واحدة: من أين لهؤلاء الناس أن يعيشوا? وكيف يعيشون..?..‏

الرواتب بحد ذاتها, وفي أوقات تسديدها المحددة قانوناً - أي في أول كل شهر - غير كافيةٍ أصلاً, ولا تستطيع أن تواجه تبعات الحياة وأعباءها, وهذا باعتراف الجميع, ولاسيما السادة المسؤولين, الذين يتبارون في السعي الحثيث لتحسين مستوى المعيشة - حسب الأقوال طبعاً - أما الأفعال فما زالت دلائلها ضعيفة تماماً, لأن السباق بين تعقيدات الحياة, وبين برامج مواجهة هذه التعقيدات, هو سباق غير متكافئ إطلاقاً, فتعقيدات الحياة أسرع بكثير من برامج المواجهة, أو لنقل: من المواجهة, لأن الساحة لا تزال خالية من أي برنامج حقيقي, بمعنى البرنامج أصلاً..!‏

فما دامت الرواتب غير كافية أساساً, والجهود تبذل لتحسين مستوى المعيشة من خلال تلك الرواتب ومن خلال غيرها, كيف يمكن للعاملين ولاسيما أصحاب الأسر في القطاع العام الانشائي أن يعيشوا..?! كيف يمكن لهم ان يرتبوا أمور حياتهم من دون أجور...ومن دون دخل.. ومن دون شيء..?‏

إن الأحاديث المعسولة لبعض السادة المسؤولين-غير كافية وغير قادرة لان تشكل كفاف عيشٍ لأولئك العاملين الذين خوت بطونهم.. وبطون أولادهم, ويمارسون أصعب حالات الحرج والإذلال في مجتمعهم امام اضطرارهم للاستدانة من هنا وهناك وللتسول من هذا وطلب المِنة من ذاك..!! والمتاجر.. صارت تدقق من اي شركة هذا الزبون وحتى المصارف اتخذت قرارها بحرمان العاملين في القطاع الانشائي من تقديم القروض اليهم.‏

لقد ضاقت الدنيا بهم.. وطفح الكيل ولم يعودوا قادرين على استيعاب أن الدولة التي يتحدث مسؤولوها عن تحسين مستوى المعيشة والدولة التي اعتمدت اضافة مفهوم (الاجتماعي) على مصطلح اقتصاد السوق هي الدولة ذاتها التي تحرمهم من رواتبهم ولاسيما انها وحدها هي صاحبة الحل سواء برصد مبالغ محددة للرواتب تعاد لاحقاً من كشوف المشاريع أم بأي حل آخر.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية