تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


جيـن ايــر.. ابــداع روائـــي - ســــينمائي مشـــترك

ثقافة
الأربعاء 29-2-2012
آنا عزيز خضر

رغم اختلاف مفردات الأدب عن مفردات السينما، و رغم اختلاف الآراء حول التفاعل مع عالميهما كقراء و مشاهدين، إلا أن السينما المبدعة بحق، والتي تبلور عالما جماليا خاصا في سياق مفرداتها،

تتمكن من موازاة الحالات الإبداعية،التي اتكأت عليها، لتتماهى المقارنات بين الحالتين، فهناك جماليات تتلاقى عند لمسات الخلق و الإبداع، و قد أتحفتنا مؤسسة السينما ببلورة تلك الحالة ككل،و في اتجاهات إبداعية عدة، في حراكها الثقافي الهام و المتواصل عبر تظاهرتها الأخيرة، تظاهرة/ الأدب في السينما/ تلك التي جمعت بين مجالين ابداعيين أساسيين،في المشهد الثقافي، حيث حضرت أعمال أدبية خالدة في أعمال سينمائية،تعتبر من التحف السينمائية العالمية، وأتت مؤسسة السينما بدورها، كي تعطي الفرصة للجمهور السوري الاطلاع على أهمها، كان منها فيلم /جين اير/ للكاتبة/ شارلوت برونتي/ التي شاركت في إبداع روايات، ساهمت في صياغة أدب خاص، اهتم بالقضايا الاجتماعية و العلاقات الإنسانية بعمق..‏

الفيلم المأخوذ عن الرواية بنفس الاسم،دخلت أساليبه ومفرداته الفنية، في أطار السينما الكلاسيكية، ورغم تقليديتها فإنها حملت جماليات خاصة أهلته لان يكون عملاً سينمائيا خالدا، إن كان في التصوير أوالزوايا الفنية أو الديكورات المتكلفة و المبهرة، عدا عن مضمونه و اعتنائه بكل التفاصيل الإنسانية لشخصياته الشفافة، فتلك الحدوتة في الرواية،و في الفيلم عرفناها عبر حالات إبداعية عديدة،وقد نسجت حولها أعمال لا تعد و لا تحصى، و رغم ذلك لم تفقد تلك القصة بريقها، لسبب واحد هو جوهر الحالة الإنسانية الراقية، التي تحمل القيم الجمالية الكامنة في تفاصيلها، فهي تقبض على خلودها بامتياز، و الموعظة منها مستمرة تتزامن مع حياة الإنسان دوما، فرغم الظلم و المعاناة التي تقاسيها الفتاة /جين/التي بدأت من بيت عمتها، إلى دار الأيتام إلى البيت، الذي عملت فيه كمربية، فتلك الفتاة لم تعش طعم السعادة يوما، و رغم ذلك حافظت على دواخلها النقية التي تجسد ماهية الإنسان الحقيقي، حيث النبل حاضر دوما مهما حاولت يد القسوة إن تطاله، و مهما عانت من الضغوط و الظروف، لم تنحرف عن إنسانيتها،فدواخل الإنسان الكريمة اكبر من أن تتحول عن مسارها.‏

وهذا هو جوهر الحقيقة الإنسانية،و هذه هي المعادلة الأبرز و الأهم،التي خلدت الفيلم و الرواية معا و تخلد كل مقولة توازي نفس الحالة،التي تجسد تلك الحقائق،‏

فجين تنقلت من بيت إلى بيت،و عانت في كل مراحل حياتها، حتى في بيت السيد/ روتشتسير/ الذي تقع في حبه، رغم ظنونها بوجود امرأة أخرى،فهو السيد و هي المربية في المنزل،لكن شيئا فشيئا تثبت حضورها بتصرفاتها البريئة و العفوية و الصادقة، فهي بقوتها الداخلية المجبولة بالقيم الشفافة، تستطيع أن تجذبه فيطلبها للزواج، و لم تصدق لأنها لم تتوقع ذلك، لكن إصراره وحبها له يجبرها على الموافقة، و عند لحظة الفصل،عند ذهابهما إلى الكنيسة لعقد الزواج، يأتي من يخبرها بوجود زوجة عنده، وفي الحقيقة كانت تلك الزوجة مريضة نفسيا، فتحاول جين الهروب كي تواسي نفسها بإيجاد حياة جديدة لها، من خلال العيش مع الأسرة التي ساعدتها عند هروبها من دار الأيتام،إلا أن الرجل الذي وجدها يحاول فرض نفسه عليها، و هي ترفض ذلك، و تشعر أثناء حديثها معه بان روتشتسير يستغيث بها،إذ تسمع صوته يناديها، ولا تراه و ذلك لشدة محبتها له،فقد وجهها تخاطرها معه، إلى الإحساس بمصيبته التي ألمت به، عندما أحرقت زوجته المريضة بيته، فتسببت له بالعمى،‏

فعادت إليه جين، تبحث عنه فوجدته وحيدا إلى جانب بيته المحترق و المتهدم،وكم كانت صورة بصرية معبرة و غنية، عندما فوجئ بها،و عرفها من صوتها، فطغت لمعة إنسانية مبهرة وسط،ذاك الخراب، وهي أن الإنسان هو الأهم دوما، وهو الأجمل بقيمه وأحاسيسه النقية، فطغت تلك الحقيقة الساطعة على المشهد،التي صدرت بدورها معاني إنسانية، ستبقى هي الأهم دوما في كل مكان و كل زمان، وهي نفسها التي تتكفل دوما بإمداد الحياة بالبريق الحقيقي ليس إلا، كما أن الفيلم قدم حالات إنسانية توازي حالة جين لإظهار جمالية تلك الفكرة، و هي في منتهى الشفافية تعالج نفس فكرة الصمود الانساني أمام الزوابع التي تحاول النيل منه وكما عاشت جين المعاناة و انتصرت بإنسانيتها أيضا كانت صديقتها الصبية في الملجأ و قد وصلت إلى الموت و لم تعتبر نفسها خاسرة فهي بسبب نفورها من تصرفات المحيطين بها و سلوكياتهم القاسية فقد اعلنت تلك الصبية لجين لحظة الفراق انها فرحة كونها تخلد النقاء الانساني...‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية