تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر


أبعد من جنون

معا على الطريق
الجمعة 7-2-2020
ديب علي حسن

احبب من شئت , فأنت مفارقه , واجمع وكدس ما استطعت من الثروات , أيضا سوف تتركها وتمضي إلى حيث المستقر النهائي , فلا المليارات تنفعك, ولا ما يمكنك أن تصله بقادر على أن يكون لك إلا مدة حياتك ,

مبدأ عام ليس زهدا ولا ابتعادا عن العمل, لا, بل الدعوة للعمل بنور العقل والقدرة على العطاء كما الأخذ , فالدنيا ليست لك وحدك , والثروات المؤتمن عليها هي ملك الجميع , فلا يغرنك بطرك ليوم أو ايام, مهما صلت وجلت فالمحصلة معروفة حاجتك معروفة , فلنقل إنك كدست مليارا.. عشرة.. مئة.. وماذا بعد ؟‏

ما الذي يمكنك أن تفعله بها, أليس من الضرورة بمكان أن تعمل على مشاريع استثمارية تنفع الناس , وتكون لبنة في بناء وطنك , أي وطن تنتمي إليه , في الغرب , في الشرق, في الشمال, في الجنوب , المهم أنك تنتمي إلى فعل العطاء والبذل والقدرة على أن تترك بصمة في سيرة الآخرين.‏

هذا المشهد للاسف لا نراه عند الأثرياء العرب ورجال الأعمال , فمن خلال الاطلاع على الكثير مما يكتب وينشر عن الثروات الخرافية التي يملكها رجال أعمال وحكام عرب, تشعر أنك في عالم فيه من الدناءة ما لا يوصف, لا سيما في ابواب صرفها والعبث بمقدرات الأوطان, هذا يشتري حمارا بريطانيا بثلاثة ملايين جنيه استرليني, وذاك يتبرع بعشرة ملايين دولار لحديقة حيوانات في لندن, وذاك يدفع ملايين الملايين لراقصة قضت معه يوما واحدا, والأنكى من ذلك الترف الذي لا مبرر على أدوات لا أحد يعرف ماذا تعني لهم..‏

هل يعقل أن يصرف ما يصرف على (مرحاض ) ليكون من الذهب الخالص؟ ماذا يعني ذلك , وماذا يعني أيضا أن يهدي أحدهم امرأة سيارات مرسيدس منقوش على كل واحدة منها حرفا من اسمها ليكتمل الاسم بها كلها؟‏

وبمكان آخر يفترض أنه للتقوى والتعبد والشعور بالآخر, يوضع (الميكرفون من الذهب الخالص) وغير ذلك كثير كثير, ثروات خرافية تهدر على ما لافائدة منه , كم نتمنى لو أن أحدهم خصص جزءا منها لتعليم الفقراء ببلد عربي , لبناء مشفى , لمعالجة الامراض المستعصية مثلا ..‏

لو أن ثريا عربيا موّل محطة عربية لنشر الفكر التنويري, لبناء مراكز أبحاث في الغرب تحسن من صورتنا المشوهة , لو أن ثريا عربيا قدم جائزة ما في الطب أو العلوم أو الآداب دون أن يسيسها , أو يصبغها بلون ما , ثروات خرافية لا أحد يعرف كيف تنفق وعلام..‏

ويسأل البعض: لماذا تشوه صورتنا في العالم ؟ هل يرون غير حملة دفاتر الشيكات ؟ هل من أحد بقادر على أن يحصي منذ عهد ألف ليلة وليلة حتى اليوم ثروات الأمة المهدورة , ليت أحدا ما يفعل ذلك , ربما لا يوجد رقم في سلم الاعداد يدل على المبلغ الذي وصلت إليه , إنه الجنون بحد ذاته, والعار الذي لا يمكن أن يمحوه التاريخ, فالفقر في الوطن العربي من الماء إلى الماء, وثرواتنا تهدر على الرخيص من الليالي والأفعال.‏

 

E - mail: admin@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية