صناعة الأدوية ..التحديات الكبرى بين الاكتفاء الذاتي والطموح للتصدير

الثورة- تحقيق حسن العجيلي:

بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة في سوريا، وما شهده القطاع الاقتصادي من تخريب نتيجة سياسات وممارسات النظام البائد، لا تزال القطاعات الإنتاجية تحاول استعادة موقعها ضمن الاقتصاد الوطني.

ويبرز قطاع الصناعات الدوائية كأحد أكثر القطاعات تأثراً وتعقيداً من حيث ظروف العمل ومحاولات التعافي، سواء على مستوى البنية التحتية أو حجم الإنتاج أو سلاسل التوريد.

محاولات نهوض عسيرة

في محافظة حلب التي كانت تضم نسبة كبيرة من معامل الأدوية في سوريا قبل عام 2011، تغيّر المشهد بشكل جذري، إذ أُغلقت العديد من المنشآت بشكل كلي، وتضررت أخرى جزئياً، فيما بقي جزء محدود منها يعمل ضمن إمكانات منخفضة.

البيانات المتوفرة من مديرية صحة حلب تُظهر أن 23 معملًا فقط من أصل 32 يعمل حالياً، فيما لا تزال 9 معامل متوقفة تعاني من مشكلات عدة تتعلق بإعادة التأهيل أو التمويل أو تأمين المعدات والخطوط الإنتاجية.

اليوم ومع محاولات التعافي تبرز الصناعات الدوائية مجدداً كأحد أبرز القطاعات الحيوية التي تحاول النهوض وسط ركام السنوات الماضية، لكنها لا تزال تسير وسط العديد من التحديات، من نقص الوقود إلى صعوبة الاستيراد إلى تقلبات سعر الصرف، ما يجعل رحلة العودة شاقة، لكنها تسير بخطا ثابتة بحسب العاملين في هذا القطاع الحيوي.

“صناعة حلب” لا تتجاوب

أثناء إعداد التحقيق للوقوف على واقع الصناعات الدوائية حاولنا الوصول إلى أصحاب معامل الأدوية من خلال لجنة صناعة الأدوية في غرفة صناعة حلب، لكن لم نتمكن من الوصول إلى أحد، ولم نحصل على أي تصريح عن واقع الصناعات الدوائية.

التقت صحيفة الثورة بالعديد من الشركات الدوائية الخاصة، وقد بدت تلك الشركات متفائلة بتطوير واقع هذه الصناعة، وهي تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في السوق المحلية في المرحلة الحالية، وتتطلع إلى توسيع أسواقها للتصدير إلى السوق الخارجية.

فقد وصف مدير الدعاية في شركة شفا للصناعات الدوائية الدكتور عمار حمدان واقع الصناعة الدوائية بأنه في حالة نهوض مستمر، وإن كان بطيئاً، مضيفاً: نركز حالياً على تأمين احتياجات المشافي من مستحضرات الحقن كالأمبول والفيال، ونلمس انفتاحاً في التعامل مع دول الجوار، وهذا يسهل جزئياً عمليات التوريد، رغم وجود صعوبات في الاستيراد، وعدم ثبات في سعر الصرف، لكن أسعار الأدوية في السوق السورية محددة من وزارة الصحة، ما يقلل هامش المناورة أمام المعامل.

وتوافقه الرأي الدكتورة سلافة عمر، وهي مديرة في شركة ابن رشد للصناعات الدوائية، فقد أكدت لنا أن واقع الصناعات الدوائية جيد نسبياً، وأن التطوير الحقيقي يحتاج وقتاً وتغييرات في القوانين، متمنية أن تفتح وزارة الصحة خطوطاً جديدة لاستيراد المواد الأولية، فالسوق بحاجة ماسة لتنويع المنتجات، خصوصاً بعد سنوات من صعوبة التوريد الخارجي.

مدير المكتب العلمي في شركة البيروني للصناعات الدوائية محمد قصاص، يرى أن الدعم الحكومي ساهم في إعادة تشغيل بعض المعامل وتوسيع الإنتاج المحلي، مؤكداً أن الشركة تعمل حالياً على إطلاق زمر دوائية جديدة، لكنها تحتاج إلى الاستمرار في تلقي الدعم لتأمين المواد الفعالة اللازمة، خصوصاً في ظل الحظر والعقوبات، مشيراً إلى أن التصدير لا يزال محدوداً، حيث تفتح الأسواق فقط أمام اليمن والسودان وإثيوبيا.

ويضيف القصاص: قبل الحديث عن التوسع في التصدير، لا بد أولاً من تأمين حاجة السوق المحلية بشكل كامل، ثم التفكير في فتح أبواب جديدة أمام المنتجات السورية.

صعوبات لوجستية

مدير مكتب شركة ابن الهيثم في حلب والمنطقة الشمالية الصيدلاني محمد سباعي، يؤكد أن مشاكل الصناعة الدوائية لا تقتصر على الإنتاج فقط، بل تمتد إلى البنية التحتية والعمليات اللوجستية، والواقع مقبول، لكن الطموحات أكبر بكثير مما هو قائم، على حد تعبيره.

ويؤكد سباعي أن المشاكل الرئيسية للصناعات الدوائية كغيرها من القطاعات الصناعية في سوريا، فهي تتعلق بالطاقة وصعوبات الاستيراد والتحويلات المالية، وهي تحديات تعيق حالياً الخطط لفتح خطوط إنتاجية جديدة، ويجب حل هذه العقبات، مبدياً تفاؤله بحلول قريبة قياساً على الخطوات التي تتخذها الحكومة لتطور الصناعة بشكل عام.

براء الملا، من شركة الحكماء فارما، يقول: نعاني من صعوبة بالغة في استيراد المواد الأولية، ونأمل أن تجد تلك المعوقات طريقها للحل.

ويشير محمد شعار، المدير الإداري لشركة ميديا فارما الدوائية إلى أن أكثر الصعوبات اللوجستية تتعلق بالطاقة والخدمات، مؤكداً أن التعاون بخصوص الترخيص والاستيراد جيد إلى حد ما.

لا تغطي الزمر النوعية

وفي الرؤية الحكومية يرى مدير صحة حلب الدكتور محمد وجيه جمعة أن الأرقام الحالية لعدد المعامل لا تعكس عودة كاملة للصناعة الدوائية، إلا أنها تعبّر عن إرادة حقيقية لدى المستثمرين وصنّاع الدواء لإعادة الحياة إلى هذا القطاع.

ويتابع الدكتور جمعة: الصناعات الدوائية في حلب بدأت تستعيد نشاطها، ونتمنى أن تتطور بشكل أكبر لتغطي حاجات السوق المحلي ولتعود إلى التصدير في المستقبل، مستدركاً بأن المنتجات الحالية لا تغطي الزمر النادرة أو النوعية من الأدوية، ما يعني أن الاعتماد على الخارج لا يزال قائماً في مجالات حيوية.

رقابة حكومية مستمرة

وعن آلية الرقابة على المعامل الدوائية، من حيث الجودة والالتزام بالمواصفات، يشدد رئيس دائرة الرقابة الدوائية في مديرية صحة حلب الدكتور محد عبد الحافظ على أن مديرية صحة حلب تعمل من خلال دائرة الرقابة الدوائية على مراقبة جودة الإنتاج في المعامل.

ويؤكد الدكتور عبد الحافظ أن فريق الرقابة يقوم بجولات دورية على المعامل الدوائية، تشمل التحضير والإنتاج والتغليف ومتابعة النتائج في المخابر بعد التحليل.

كما يؤكد الاستمرار بروح المبادرة والتحدي في مرحلة ما بعد الركام، إذ نحتاج قرارات جريئة ودعماً منظّماً، وليس مجرد مبادرات فردية، فما زالت العقوبات ونقص المواد الأولية، وصعوبة التحويلات المالية، وعدم استقرار سعر الصرف، تشكّل مجموعة من العوائق التي تحدّ من قدرة المصانع على المنافسة، أو حتى على تلبية الحاجات الأساسية للسوق المحلي بشكل مستقر.

وما يظهر من خلال آراء العاملين في قطاع الصناعات الدوائية أن روح المبادرة قائمة والإرادة للتعافي حاضرة، وأن الفرص لا تزال قائمة إن توفرت البيئة القانونية واللوجستية المناسبة.

وبين تطلعات المصنعين لتحقيق الاكتفاء الذاتي أولاً والانطلاق نحو التصدير لاحقاً، تظل الصناعات الدوائية في سوريا وفي حلب تحديداً قطاعاً لم ينكسر، بل يعيد بناء نفسه بخطى ثابتة، في مشهد يعكس ولو بحذر بدايات طريق طويل نحو الاستقرار والتطور.

آخر الأخبار
مشروع تدوير أنقاض حمص.. بداية رحلة الألف ميل نحو إعادة الإعمار "مجموعات خارجة عن القانون" ترتكب انتهاكات بحق رجال دين في السويداء من أثينا: دعوة رسمية سورية للمستثمرين العرب واليونانيين لدخول مرحلة «إعادة الإعمار الكبرى» ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ضمن فعاليات الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ..تكريم رواد وشركات ناشئة في سورية الخارجية السورية: استعادة حق التصويت في المنظمة البحرية الدولية والمشاركة في انتخابات مجلسها لأول مر... الهيئة الوطنية للمفقودين تلتقي في دمشق ذوي المفقودين في زمن النظام المخلوع دمشق تعتمد رابطة المهندسين السوريين في قطر رسمياً كتاب يوثق أحداث الثورة السورية والانتهاكات بحق الشعب فيدان في طهران.. وسوريا تتصدر جدول المباحثات القنصلية السورية في بون تستعد لاستقبال المراجعين بعد إعادة تأهيلها حكومة نتنياهو في مرحلة حرب مع نفسها..  كيف تحول توغل إسرائيلي في بيت جن إلى مواجهة مباشرة؟ مجالس الأعمال المشتركة.. هل هي الترجمة العملية للانتصار السياسي على أرض الاقتصاد؟ البزم يوضح موقفه من بيان منسوب له حول فعاليات ذكرى "ردع العدوان" معركة "ردع العدوان".. هل ترجمت رسالتها على أرض الواقع بعد عام؟ سوريا.. إرث الاستبداد الثقيل في ذكرى التحرير.. الاقتصاد حجر الأساس في معركة بناء الدولة ما هو القانون 107 الذي تحدث عنه الرئيس الشرع؟ هل كان مطبقاً سابقاً.. وكيف يمكن تعديله؟ الرئيس الشرع من حلب: هذه ملامح المرحلة المقبلة جيل يدرس ويعمل.. كيف يحوّل طلاب الجامعات ضغوط المعيشة إلى فرصة لصناعة المستقبل؟