“نغم عيسى”.. عندما يهز الترند الإعلام والمجتمع 

الثورة – ميسون حداد:

أثارت قضية نغم عيسى جدلاً واسعاً على الصعيدين الشعبي والرسمّي، فبعد أن تحوّل اختفاؤها وطلب الفدية إلى ترند إعلامي واجتماعي، تظهر لاحقاً فيديوهات لزوجها وأهلها تفيد أنها هربت طوعاً إلى لبنان مع حبيبها السابق.

استُخدمت القضية لإثارة الفتنة وتهديد الاستقرار الاجتماعي، كما كشفت عن مخاطر التضليل الإعلامي في ظل غياب التحقيقات المستقلة والانجراف وراء الترندات، وما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على المجتمع. وفي هذا السياق، التقت “الثورة” بالدكتورة ولاء يوسف، رئيسة قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق والمتخصصة في علم النفس الاجتماعي، والصحفي السوري عمر البم، للحديث عن أهمية المصداقية الإعلامية ودور وسائل التواصل في تضليل الرأي العام وتأثيره على استقرار المجتمع.

العاطفة والقلق وقود الانتشار

لم يكن انتشار القصة مجرّد تفاعل لحظي، بل نتيجة منظومة كاملة باتت تُفضّل العاطفة على الدقّة، حيث يصبح الانفعال طريقاً مختصراً للوصول إلى التصديق. في هذا الفضاء الرقمي، لا تحتاج الروايات إلى أدلّة كي تُقبل، بل إلى معنى شعوري يجذب الجمهور، ويمنحه إحساساً بأنه “داخل الحدث”، حتى لو كان الحدث مُفتعلاً.

يرى الصحفي عمر البم أن السرّ لا يكمن في قوة القصة، بل في تركيبتها العاطفية، ويقول: “الروايات التي تُقدَّم فيها الأدوار بوضوح، بطل وضحية وشرير، تخلق استجابة فورية في اللاوعي الجمعي، فالجمهور لا يتفاعل مع الوقائع أولاً، بل مع المشاعر التي تولّدها القصة حين تلامس الغضب وتُروى بلغة الناس”.

وهذه المعادلة لا تعكس مجرد انفعال لحظي، بل حاجة جماعية لإيجاد قصة جاهزة تمنح المتلقي موقعاً أخلاقياً واضحاً، متعاطف، غاضب، مُدافع، وهنا يتحوّل الخيال إلى واقع مؤقت، تُبنى عليه مواقف قبل أن تُبنى عليه حقائق.

وهذا ما تؤكده الدكتورة ولاء يوسف، من زاوية اجتماعية نفسية، إذ ترى أن التفاعل السريع لا يصدر من فراغ، بل من حالة قلق عام تجعل المجتمع ميّالاً لتصديق ما ينسجم مع مخاوفه المُسبقة، خصوصاً في القضايا التي تتضمن عنفاً أو تهديداً إنسانياً.

فكل قصة صادمة، غير مألوفة، وخاصة إذا ارتبطت بالنساء “في موقع الضحية”، تثير تعاطفاً فورياً، ليس لكونها حقيقية بالضرورة، بل لأنها تُفعّل استجابات شعورية جاهزة عند المتلقي.

وتضيف يوسف أن ثقافة “الضغط والمشاركة” التي تفرضها المنصات جعلت من النشر فعلاً انعكاسياً، ومن المستخدم ناقلاً تلقائياً للعاطفة لا للمعلومة

إعلام الحقائق أم الانفعالات؟

لم تكن منصات التواصل الاجتماعي مجرّد ناقل لرواية نغم عيسى، بل المحرّك الذي ضاعفها ووسّع دوائرها، فحوّل القصة من حدث إلى قضية رأي عام تُغذّيها المشاركة والانفعال.

ويرى الصحفي عمر البم أن المنصات قلبت قواعد التلقي والإعلام رأساً على عقب، إذ لم تعد هناك مراحل للتحقق أو سياقات مهنية تضبط السرد، فالسوشال ميديا لا تملك غرف أخبار، بل خوارزميات تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة إلى القمة، فكل مشاركة تُضيف بعداً جديداً للقصة حتى تفقد شكلها الأصلي، ويضيف: “في هذا الانقلاب الرمزي، صار أي مستخدم يمتلك القدرة على خلق أزمة رأي عام، بينما الصحافة التي تتأنّى وتتحقّق تبدو بطيئة في زمن السرعة، فتفقد جمهورها اللحظي رغم عمقها المهني”.

وهكذا، بمجرد أن تُنشَر رواية تحمل عناصر “الترند”، تبدأ دوامة إعادة النشر والمبالغة والتفسير الذاتي، فلا تُنقل الحقيقة عبر المنصات، بل تُقاس بمدى الانفعال الجماعي الذي تولّده، فتكتسب الرواية شرعية وهمية من أرقام الإعجابات والمشاركات، لا من دلائل الوقائع.

ففي مشهد إعلامي مضطرب، تحوّلت السوشال ميديا من قناة تمرّ عبرها الأخبار إلى صانعة للحدث، تفرض على الإعلام المهني إيقاعها، حتى عندما يكون الحدث مفبركاً، فالكثير من القصص تبدأ على حساب مجهول عبر المنصات، ثم يتعامل الإعلام معها كمصدر محتمل.

تفسّر الدكتورة ولاء يوسف هذا التفاعل الواسع بوصفه انعكاساً لحالة قلق اجتماعي عام يعيشها المجتمع في ظل غياب المعلومات الدقيقة، إذ يميل الجمهور إلى تصديق الأخبار التي تلائم مخاوفه المسبقة، خاصة تلك المتعلقة بالعنف أو القضايا الإنسانية.

وتوضح يوسف: “تعمل الشائعات في المجتمعات المتوترة كآلية تفريغ جماعي، إذ تتحول من خبر إلى حالة شعورية مشتركة، ثم إلى سلوك اجتماعي، وبذلك تصبح الشائعة حدثاً اجتماعياً بحد ذاته يعيد تشكيل العواطف الجمعية ويؤثر على المزاج العام والاستقرار”.

وهكذا نجد تأثير السوشال ميديا على الإعلام مع التأثير النفسي والاجتماعي للشائعات، ليصبح الانفعال الجماعي المقياس الأول لشرعية أي قصة، بينما الحقيقة نفسها تتأخر، فتتحوّل الرواية إلى حدث حيّ بحد ذاته قبل أن تُثبَت وقائعه.

تضليل إعلامي اجتماعي

يُفسّر “عمر البم” تفوّق الحملات المضلّلة على الروايات الرسمية بأنّ “الكذب يُروى بلغة أكثر تشويقاً من الحقيقة”، فالأخيرة تحتاج إلى وقت وإجراءات وتفاصيل تُرهق المتابع في عصر السرعة.

كما أن تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية جعل الجمهور يبحث عن “عدالة بديلة” في الفضاء الرقمي، محوّلاً المنصات إلى “محكمة شعبية” تُصدر أحكامها العاطفية قبل أن تكتمل التحقيقات، وهنا يتجلّى مأزق العصر، الحاجة الفورية للمعنى ولو على حساب الحقيقة.

وترى الدكتورة ولاء في ذلك تأثيراً عميقاً على النسيج الاجتماعي، حيث تتسبب هذه القصص في تصدّع الروابط الاجتماعية وارتفاع مستويات الشك والريبة بين فئات المجتمع، وتغذي الانقسام الاجتماعي عبر إعادة إنتاج الخطوط الفاصلة بين “نحن” و”هم”، مستغلةً أي قصة لمهاجمة فئة معينة، كما تخلق حالة توتر مستمرة، خصوصاً عندما ترتبط الشائعات بالعنف أو تهديد الأمن المجتمعي، ما يؤدي إلى تراجع الثقة بين الأفراد.

وتبين الدكتورة ولاء أن صورة المرأة خاصة، تتأثر بشدة بهذه القصص، إذ تشوّهها من خلال تحميلها تمثيلات متناقضة بين الضحية والمتهمة، ما يضعف مصداقية الشكاوى الحقيقية للنساء اللواتي يتعرضن للعنف بسبب تراكم نماذج غير موثوقة.

كما يُحوّل النقاش من قضايا هيكلية تتعلق بالقوانين والحماية والموارد إلى قضايا فردية تستنزف الرأي العام دون معالجة جذور المشكلة، ويجعل النساء يتحملن مسؤولية “الفضيحة”، ما يدفع كثيرات إلى التردد في الإبلاغ عن العنف خوفاً من الاتهام بالكذب أو التشهير.

ولمن يرغب بالمعلومة الموثوقة، فعادة ما تأتي متأخرة، لأن ضغط التفاعل الجماهيري جعل كثيراً من المؤسسات الإعلامية تقع في فخّ التضليل، إذ أصبح “الضغط التفاعلي معياراً للنجاح”، ما يدفع غرف الأخبار للنشر قبل اكتمال التحقق، خوفاً من اتهامها بالتقصير أو التواطؤ لم تواكب “القصة الساخنة”.

ويؤكد أن الخروج من هذا الفخ يبدأ من إعادة تعريف مفهوم السرعة: “أن تكون سريعاً لا يعني أن تكون متسرعاً، المطلوب أن يبني الإعلام حضوره الرقمي كمصدر ثقة، لا كمنصّة منافسة في لعبة الضجيج”.

فالإعلام، في رأيه، يحتاج إلى “إيقاع بطيء” وسط هذا العالم المتسارع، فيصبح ملاذاً للمتابع حين يرهقه التضليل، فالموثوقية أصبحت فضيلة نادرة تميّز من يصمد في وجه العاصفة الرقمية.

رسالة للصحافة والجمهور

يتطلب تعزيز المناعة الاجتماعية ضد الانجرار وراء كل ترند على السوشال ميديا، إعادة بناء منظومة الثقة في المجتمع عبر عدة محاور، بحسب الدكتورة ولاء، منها تعزيز الثقافة النقدية في المدارس والجامعات وخصوصاً بين فئة الشباب، وتوفير معلومات رسمية سريعة وشفافة لتقليل الفراغ المعلوماتي، وتنظيم فضاء السوشال ميديا دون المساس بحرية التعبير، وبناء بيئة معرفية تسمح بتمييز الحقيقة من التضليل. فالمناعة الاجتماعية ليست تقنية فقط، بل جزء من بنية ثقافية ومعرفية متكاملة، تشمل رفع الوعي حول مخاطر الشائعات على المجتمع.

فعلى كل مواطن اليوم أن يدرك أنه جزء من المنظومة التي تنتج المعلومات وتؤثر في الرأي العام، وأن التحقق قبل النشر ليس مجرد خيار، بل مسؤولية اجتماعية للحماية من التضليل، وحماية الأفراد من الضرر، ودعم الاستقرار الاجتماعي.

ويوجّه الصحفي عمر البم رسالتين تبدوان أشبه بوصية للزمن الإعلامي الجديد، فيخاطب الصحفيين بضمير المهنة قائلاً: “لا تجعلوا الترند مرجعكم التحريري، دوركم ليس تأكيد ما يريده الناس سماعه، بل اختبار ما إذا كان ما يسمعونه صحيحاً”.

ويؤكد أن التحقق مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مهنية، لأن المعلومة الخاطئة في زمن الأزمات قد تشعل فتنة أو تبرّر انتقاماً.

كما يدعو الجمهور إلى لحظة وعي قبل المشاركة، منعاً لتحوّل العاطفة إلى أداة تضليل جماعي: “اسألوا دائماً، من كتب؟ ولماذا الآن؟ وهل يوجد مصدر ثانٍ؟”.

ففي زمن تختلط فيه الحقيقة بالوهم، تبقى المسافة بين النشر والتحقق هي خط الدفاع الأخير عن وعي المجتمع، وعن الصحافة التي لا تزال تحاول أن تقول: ليست كل قصة تُروى تستحق أن تُصدق.

آخر الأخبار
مشروع تدوير أنقاض حمص.. بداية رحلة الألف ميل نحو إعادة الإعمار "مجموعات خارجة عن القانون" ترتكب انتهاكات بحق رجال دين في السويداء من أثينا: دعوة رسمية سورية للمستثمرين العرب واليونانيين لدخول مرحلة «إعادة الإعمار الكبرى» ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ضمن فعاليات الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ..تكريم رواد وشركات ناشئة في سورية الخارجية السورية: استعادة حق التصويت في المنظمة البحرية الدولية والمشاركة في انتخابات مجلسها لأول مر... الهيئة الوطنية للمفقودين تلتقي في دمشق ذوي المفقودين في زمن النظام المخلوع دمشق تعتمد رابطة المهندسين السوريين في قطر رسمياً كتاب يوثق أحداث الثورة السورية والانتهاكات بحق الشعب فيدان في طهران.. وسوريا تتصدر جدول المباحثات القنصلية السورية في بون تستعد لاستقبال المراجعين بعد إعادة تأهيلها حكومة نتنياهو في مرحلة حرب مع نفسها..  كيف تحول توغل إسرائيلي في بيت جن إلى مواجهة مباشرة؟ مجالس الأعمال المشتركة.. هل هي الترجمة العملية للانتصار السياسي على أرض الاقتصاد؟ البزم يوضح موقفه من بيان منسوب له حول فعاليات ذكرى "ردع العدوان" معركة "ردع العدوان".. هل ترجمت رسالتها على أرض الواقع بعد عام؟ سوريا.. إرث الاستبداد الثقيل في ذكرى التحرير.. الاقتصاد حجر الأساس في معركة بناء الدولة ما هو القانون 107 الذي تحدث عنه الرئيس الشرع؟ هل كان مطبقاً سابقاً.. وكيف يمكن تعديله؟ الرئيس الشرع من حلب: هذه ملامح المرحلة المقبلة جيل يدرس ويعمل.. كيف يحوّل طلاب الجامعات ضغوط المعيشة إلى فرصة لصناعة المستقبل؟