ثلاثة أشهر بلا رنين مغناطيسي.. جهاز معطّل يكشف خلل منظومة التشخيص في المستشفيات الحكومية

الثورة – علا مفيد محمد:
أعاد تعطل جهاز الرنين المغناطيسي في المستشفى الوطني الجامعي فتح ملف حساس يرتبط مباشرة بالحق الأساسي للمواطن في الحصول على تشخيص دقيق وسريع، فخروج الجهاز الوحيد عن الخدمة لمدة قاربت ثلاثة أشهر وضع مئات المرضى أمام خيارات قاسية: انتظار يمتد لأسابيع في المشافي الحكومية أو التوجه إلى القطاع الخاص بتكاليف تفوق قدرة العديد من الأسر.
ومع عودة الجهاز إلى الخدمة أخيراً، يبقى السؤال الأكبر: هل الإصلاح كافٍ لضمان الاستمرارية، أم أن الأعطال ستتكرر في ظل منظومة تشغيلية مثقلة بالضغط والاستهلاك؟

حالات إسعافية عاجلة تُحرم من التشخيص الفوري

مع بداية العطل، بدأت ملامح الأزمة تظهر بسرعة، ففي 23 من الشهر الجاري، فقدت الفتاة ميرا اسمندر (17 عاماً) الإحساس بأطرافها، وحاجة التشخيص كانت واضحة: صورة رنين إسعافية للدماغ والنخاع الشوكي، غير أن الجهاز الحكومي كان خارج الخدمة، والمواعيد في المشافي الأخرى مؤجلة لأسابيع، ولأن الحالة لا تحتمل الانتظار، اضطرت العائلة للجوء إلى مركز خاص رغم محدودية إمكاناتها.
محمد الخير (21 عاماً) واجه سيناريو مشابهاً، ألم شديد في العمود الفقري، وحاجة لتصوير دقيق، لكن الرد في المستشفيات الحكومية كان واحداً: “لا دور قبل أسبوعين على الأقل” وبين الألم وغياب موعد حكومي إسعافي، كان الخيار الوحيد أيضاً هو القطاع الخاص، بكلفة رتبت على العائلة ديوناً إضافية.
تؤكد هذه الشهادات أن تعطل جهاز واحد في مستشفى محوري لا يعني مجرد خلل تقني، بل أزمة تطال شريحة واسعة من المرضى الذين يعتمدون على الخدمة المجانية أو منخفضة التكلفة.

كيف توقف الجهاز؟ وما الذي حدث خلال ثلاثة أشهر؟

أوضح رئيس القسم الهندسي في المستشفى، المهندس نشوان عزاوي، أن العطل أصاب وحدة الـRF (مضخّم الأمواج الراديوية)، وهي إحدى أهم وحدات الجهاز وأكثرها حساسية، وتزامن مع خلل في وحدات التكييف خلال موجة الحر الشديدة الصيف الماضي، مشيراً إلى أن الجهاز كان قد دخل الخدمة في 25 كانون الثاني الماضي، لكنه تعطّل في 12 آب الماضي، ما أدى إلى توقفه الكامل.
وأشار عزاوي إلى أن كوادر المستشفى تحركت لمعالجة نظام التبريد وتأمين درجة الحرارة المناسبة للتشغيل، فيما تولت الشركة الموردة إصلاح القطعة المتضررة وتأمين بديل لها “بطرق غير مباشرة” بسبب صعوبات الاستيراد والعقوبات وإجراءات التخليص الجمركي، مضيفاً أنه تمت إعادة تشغيل الجهاز فعلياً في 25 تشرين الثاني.
ورغم أن وجود أجهزة بديلة في مستشفيي المواساة والمجتهد ساعدت في تخفيف الضغط نسبياً، إلا أن طاقتها الاستيعابية لم تكن كافية لاستيعاب الزيادة الناتجة عن توقف الجهاز الجامعي، ما جعل كثيراً من المرضى بلا خيار سوى القطاع الخاص، بحسب عزاوي.

إجراءات وقائية بعد الإصلاح

أكد المدير العام للمستشفى الوطني الجامعي، عبد الغني الشلبي، أن العطل تمت معالجته بالكامل بالتعاون مع الشركة الموردة، وأن المستشفى أولى خلال فترة التوقف أهمية كبيرة لتحويل الحالات العاجلة إلى المشافي الحكومية القريبة وفق الإمكانيات المتاحة.
وبعد الإصلاح، بدأت إدارة المستشفى باتباع سياسة تشغيل جديدة لضمان استمرارية الجهاز، تضمنت تخفيض عدد الصور اليومية إلى 30 – 35 صورة بدلاً من 50 – 55، وتوزيعها بين المرضى الداخليين والخارجيين، إضافة إلى ضبط حرارة غرف التشغيل ضمن الحدود العالمية (18-24 درجة مئوية) لتفادي أي ارتفاع حراري قد يضر بالجهاز.
وأوضح الشلبي أن الجهاز تجاوز عمره الافتراضي البالغ خمس سنوات، ما يجعل تشغيله تحت ضغط كبير أمراً محفوفاً بالمخاطر، مؤكداً أن الحل العملي هو وجود جهازين على الأقل في مستشفى تعليمي يستقبل مئات الحالات يومياً.
وقال: “الحل الأمثل لضمان استمرارية عمل الأجهزة الحساسة، كجهاز الرنين المغناطيسي، هو توفير جهازين على الأقل في المستشفى أو في مستشفيين متقاربين، بحيث يمكن لأي منهما تعويض الآخر في حال تعطل أحدهما”.

القطاع الخاص ملاذ اضطراري للمرضى

لتكوين صورة مكتملة، التقت صحيفة “الثورة” العاملين في مركز “ميديكو” للرنين المغناطيسي، الذي استقبل العديد من الحالات خلال فترة التوقف، حيث أوضح رئيس مجلس الإدارة، أنس شربجي، أن المراكز الخاصة شهدت ارتفاعاً واضحاً في عدد المراجعين، وأن الأجهزة الحديثة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والكوادر المتمرسة تمنح المرضى ثقة أكبر بالخدمة، خصوصاً مع التعاقد مع شركات التأمين والجمعيات الخيرية.
بدوره، أكد طبيب الأشعة بشار العجمي أن تصوير الرنين المغناطيسي يظل الوسيلة الأكثر دقة للكشف عن أمراض الدماغ والنخاع الشوكي والمفاصل والأنسجة العميقة، وهو ما يفسر الضغط الكبير على هذه الأجهزة، لكنه أشار إلى أن الرنين يتطلب وقتاً أطول للتصوير وهدوءاً تاماً، ما يجعل قدرته الاستيعابية محدودة مقارنة بالأشعة العادية.
أما المدير الإداري، أسامة الكلاس، فأوضح أن عدد المرضى يتراوح بين 8 و27 يومياً بحسب الضغط، وأن دراسة عضو واحد تستغرق نحو 15 دقيقة، بينما تتطلب دراسة متعددة حتى 90 دقيقة، ما يفسر ازدحام المواعيد.

الأجهزة الحكومية هرمة والحل في استبدالها

قال رئيس قسم الأشعة في مستشفى المجتهد، الدكتور محمد زاهر الحلبي: إن أجهزة الرنين في المستشفيات الحكومية تعمل فوق طاقتها، وأن الحاجة أكبر بكثير من العدد المتوافر، داعياً إلى زيادة الأجهزة وترشيد طلبات التصوير العشوائية.
وشدد الحلبي على أهمية مراجعة أسعار الإجراءات بما يضمن استمرارية الصيانة الدورية وتأمين تكاليف التشغيل والقطع البديلة، إضافة إلى تفعيل دور شركات التأمين بصورة أوسع لتخفيف الأعباء المالية عن المرضى، ووضع آليات واضحة لترشيد طلبات التصوير والحد من الطلبات العشوائية.

من جانبه، أكد مدير المنشآت الصحية في وزارة الصحة، الدكتور واصل الجرك، أن معظم أجهزة الرنين في المشافي “هرِمت” وبلغ عمرها 15 – 20 عاماً دون تبديل، وأن الضغط الكبير عليها يسرع تكرار الأعطال، مشيراً إلى أن المستشفيات الكبيرة من المفترض أن تحوي 3 أو 4 أجهزة رنين، كما أن تحويل المرضى إلى المشافي الأخرى يضيف عبئاً عليها.
كما أكد أن الأولوية حالياً تتمثل في تأمين أجهزة الرنين المغناطيسي والطبقي المحوري لكونهما أساسين في العمليات التشخيصية، إلى جانب الأجهزة النوعية المخصصة لمرضى الأورام، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل بالتعاون مع جهات حكومية عدة ومنظمات ومانحين لتنفيذ هذه الخطط، رغم ما يواجهها من صعوبات وتحديات كبيرة.
ورغم عودة جهاز المستشفى الوطني الجامعي إلى الخدمة، تبقى المخاوف قائمة من تكرار الأعطال، فاستمرارية جهاز واحد أصبحت اليوم مسألة حاسمة لكثير من المرضى، بينما يبقى السؤال مطروحاً: هل ستنجح الخطط الحالية في تجاوز الأزمة، أم أن العطل القادم سيعود ليكشف فجوة أكبر في منظومة التصوير الشعاعي في المستشفيات الحكومية؟

آخر الأخبار
مشروع تدوير أنقاض حمص.. بداية رحلة الألف ميل نحو إعادة الإعمار "مجموعات خارجة عن القانون" ترتكب انتهاكات بحق رجال دين في السويداء من أثينا: دعوة رسمية سورية للمستثمرين العرب واليونانيين لدخول مرحلة «إعادة الإعمار الكبرى» ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ضمن فعاليات الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ..تكريم رواد وشركات ناشئة في سورية الخارجية السورية: استعادة حق التصويت في المنظمة البحرية الدولية والمشاركة في انتخابات مجلسها لأول مر... الهيئة الوطنية للمفقودين تلتقي في دمشق ذوي المفقودين في زمن النظام المخلوع دمشق تعتمد رابطة المهندسين السوريين في قطر رسمياً كتاب يوثق أحداث الثورة السورية والانتهاكات بحق الشعب فيدان في طهران.. وسوريا تتصدر جدول المباحثات القنصلية السورية في بون تستعد لاستقبال المراجعين بعد إعادة تأهيلها حكومة نتنياهو في مرحلة حرب مع نفسها..  كيف تحول توغل إسرائيلي في بيت جن إلى مواجهة مباشرة؟ مجالس الأعمال المشتركة.. هل هي الترجمة العملية للانتصار السياسي على أرض الاقتصاد؟ البزم يوضح موقفه من بيان منسوب له حول فعاليات ذكرى "ردع العدوان" معركة "ردع العدوان".. هل ترجمت رسالتها على أرض الواقع بعد عام؟ سوريا.. إرث الاستبداد الثقيل في ذكرى التحرير.. الاقتصاد حجر الأساس في معركة بناء الدولة ما هو القانون 107 الذي تحدث عنه الرئيس الشرع؟ هل كان مطبقاً سابقاً.. وكيف يمكن تعديله؟ الرئيس الشرع من حلب: هذه ملامح المرحلة المقبلة جيل يدرس ويعمل.. كيف يحوّل طلاب الجامعات ضغوط المعيشة إلى فرصة لصناعة المستقبل؟