ترميم الأبنية في دمشق القديمة.. عوائق إدارية وقانونية تعرقل حماية التراث

الثورة – ثورة زينية:
تواجه دمشق القديمة اليوم تحديات كبيرة بين ضرورة الحفاظ على تراثها العمراني، ومخاطر الانهيار التي تهدد مبانيها التاريخية، فالأحياء التقليدية مثل القنوات، والشاغور، والقيمرية، وباب سريجة، وساروجة، تضم مئات المنازل التي شُيّدت منذ قرون من الطين والحجر والخشب، وتزيّنها الزخارف الشرقية التقليدية التي تعكس تاريخ المدينة وروحها الفريدة، فهذه الأبنية ليست مجرد مساكن، بل تمثل جزءاً أصيلاً من هوية دمشق العمرانية، وشاهداً حيّاً على قرون من الحضارة والذاكرة الاجتماعية.

وتشير تقديرات مديرية الآثار في محافظة دمشق إلى أن نحو 40 بالمئة من هذه المنازل بحاجة عاجلة إلى ترميمات هيكلية، وهو ما يكشف حجم الخطر الذي يواجه التراث العمراني للمدينة وحياة السكان في آن معاً، فمعظم هذه البيوت تعرضت للإهمال على مدى سنوات طويلة، وعانت من التقادم الطبيعي للمواد المستخدمة في بنائها، إضافة إلى ضعف الصيانة ومحدودية القدرة الاقتصادية لدى الأهالي على الترميم.

تحديات أمام الترميم

يواجه ترميم الأبنية التاريخية في دمشق القديمة صعوبات قانونية وإدارية كبيرة، تبدأ من الإجراءات الواسعة التي تتطلبها الموافقات الرسمية في محافظة دمشق، وتشمل توثيق ملكية العقار، وتثبيت حضور جميع الورثة، والحصول على سلسلة طويلة من الموافقات قبل بدء أي عمل ترميمي.

يقول المهندس المعماري نبيل أقبيق، من سكان حي القيمرية، إن إجراءات الترخيص “معقدة للغاية وغالباً ما تؤدي إلى تأجيل أو توقف أعمال الترميم، والكثير من المنازل المهددة بالسقوط تُترك من دون معالجة بسبب الخلافات بين الورثة أو بين المالكين والمستأجرين، ما يجعل السكان يعيشون في ظل تهديد يومي”.

ويشير إلى أن تكلفة ترميم منزل متوسط الحجم تتراوح بين 20 و50 مليون ليرة سورية تبعاً لحجم الضرر ونوع المواد المستخدمة، وهو مبلغ يتجاوز قدرة معظم الأهالي، لا سيما مع ارتفاع أسعار مواد البناء التقليدية، كالخشب والحجر والطين.

من جانبها، تؤكد وفاء السهلي، صاحبة منزل في حي الشاغور، أنه كان من المفترض أن تبدأ الترميم منذ عامين، “لكن الأسعار تضاعفت، وأصبح من المستحيل تغطية التكلفة”.

مشروعات حكومية وتحسينات في البنية التحتية

شهدت مدينة دمشق القديمة في صيف عام 2025 إطلاق مجموعة من المشروعات الحكومية لإعادة تأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، ومعالجة الهبوطات والتصدعات في الشوارع القديمة، كما أطلقت المحافظة مشروع “إدارة ذكية للمدينة القديمة” بالتعاون مع جهات دولية، بهدف الحفاظ على التراث العمراني وحماية الأبنية التاريخية، ورافقت ذلك حملة “استعادة المدينة القديمة” التي ركزت على ترميم الأسواق والمحاور الرئيسية.

ورغم أهمية هذه المشروعات، لا يزال ملف ترميم المباني السكنية يواجه عقبات كبيرة، خصوصاً بعد توقف إصدار رخص البناء والترميم بشكل منتظم في السنوات الأخيرة، وقد لجأ بعض المالكين إلى ترميم منازلهم من دون ترخيص، الأمر الذي دفع المحافظة لتنفيذ حملات إزالة للمخالفات.

ويوضح رئيس دائرة الرقابة والإشراف في مديرية دمشق القديمة، المهندس إميل حتمل، في تصريح لـ”الثورة” أن عمليات الترميم تتنوع بين الترميم البسيط، والترميم الشامل الذي يشمل التدعيم الهيكلي وإعادة البناء، إضافة إلى تغيير وظيفة بعض المباني لتصبح سياحية أو ثقافية أو استثمارية بما يخدم تنمية المدينة القديمة.

ويؤكد حتمل أن التحديات القانونية والاجتماعية والمالية تجعل من الترميم عملية معقدة للغاية، فمعظم الأبنية عمرها مئات السنين، وإعادة تأهيلها ضرورة ملحة للحفاظ على النسيج العمراني التاريخي، مشيراً إلى أن عقود الإيجار القديمة وتعدد الملكيات وعدم تحديث السجلات العقارية، إلى جانب القوانين الخاصة بصون التراث ونظام البناء، تشكل عوائق كبيرة أمام أي مشروع ترميم واسع.

ويضيف حتمل: “ظهرت الحاجة الماسة إلى مشروع وطني متكامل لإعادة تأهيل دمشق القديمة، خاصة بعد مرور عام على انتصار الثورة السورية، بهدف الحفاظ على الطابع التراثي والاجتماعي للمدينة وتثبيت قيمتها التاريخية”.

ويشرح أن الخطوات الأولى لهذا المشروع تتمثل في تأسيس هيئة مركزية لصيانة وتأهيل المدينة القديمة تُمنح صلاحيات تنفيذية مباشرة، وإجراء مسح شامل لجميع المباني، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية دقيقة، إضافة إلى حصر المشاكل القانونية التي تعيق عمليات الترميم.

كما أكد أن المشروع يتطلب برامج تمويلية وقروضاً ميسّرة لصغار المالكين لتمكينهم من المساهمة في صيانة منازلهم، وضمان بقاء دمشق القديمة مدينة تراثية نابضة بالحياة، محافظة على هويتها، ومدرجة ضمن قوائم التراث العالمي كأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.

خطر على السكان والتراث

ترى المهندسة راما الحناوي، المتخصصة في التخطيط الحضري، أن الجهود الحالية رغم أهميتها لم تصل بعد إلى مستوى الترميم الشامل المطلوب، موضحة أن خطر تدهور الأبنية “لا يهدد الممتلكات فقط، بل حياة السكان أيضاً”، مشيرة إلى تسجيل 12 حالة انهيار جزئي في منازل قديمة خلال العامين الماضيين، وهو ما يشير إلى خطورة الوضع الذي يواجهه السكان بشكل يومي.

وتشير الحناوي إلى أن فقدان أي منزل تاريخي يعني “اندثار جزء من النسيج العمراني والتاريخي لدمشق، وضياع قيم ثقافية وتراثية لا يمكن تعويضها”، مؤكدة أن الحفاظ على هذه الأبنية أصبح ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.

الحاجة إلى خطة عاجلة وشاملة

يشدد خبير التراث العمراني محمد كلاس على أن دور مديرية الآثار أساسي في تقييم الأضرار ووضع خطط الترميم، معتبراً أن ضعف التنسيق بين الجهات الإدارية يفاقم المخاطر، وقد يؤدي إلى انهيار الأبنية قبل اتخاذ الإجراءات اللازمة.

ودعا كلاس إلى تبسيط إجراءات الحصول على رخص الترميم، وتقديم دعم قانوني وفني للورثة والمستأجرين، وتوفير مستلزمات البناء التقليدية بأسعار مناسبة أو بدعم حكومي مباشر.

كما أكد أهمية تعزيز التعاون بين مديرية الآثار واللجان المختصة، وإطلاق برامج توعية للسكان حول أساليب صيانة الأبنية القديمة وطرق الوقاية من الانهيار، لضمان استمرار هذا الإرث العمراني للأجيال القادمة.

وفي ظل استمرار المخاطر وارتفاع الحاجة إلى الترميم، وتعقّد الإجراءات القانونية والإدارية، يبقى مستقبل مئات المنازل في دمشق القديمة معلّقاً، ما يستدعي اعتماد حلول عاجلة وشاملة تشمل توفير التمويل والدعم الفني وتبسيط الإجراءات، بما يضمن الحفاظ على التراث العمراني وصون الهوية التاريخية للمدينة.

آخر الأخبار
مشروع تدوير أنقاض حمص.. بداية رحلة الألف ميل نحو إعادة الإعمار "مجموعات خارجة عن القانون" ترتكب انتهاكات بحق رجال دين في السويداء من أثينا: دعوة رسمية سورية للمستثمرين العرب واليونانيين لدخول مرحلة «إعادة الإعمار الكبرى» ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ضمن فعاليات الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ..تكريم رواد وشركات ناشئة في سورية الخارجية السورية: استعادة حق التصويت في المنظمة البحرية الدولية والمشاركة في انتخابات مجلسها لأول مر... الهيئة الوطنية للمفقودين تلتقي في دمشق ذوي المفقودين في زمن النظام المخلوع دمشق تعتمد رابطة المهندسين السوريين في قطر رسمياً كتاب يوثق أحداث الثورة السورية والانتهاكات بحق الشعب فيدان في طهران.. وسوريا تتصدر جدول المباحثات القنصلية السورية في بون تستعد لاستقبال المراجعين بعد إعادة تأهيلها حكومة نتنياهو في مرحلة حرب مع نفسها..  كيف تحول توغل إسرائيلي في بيت جن إلى مواجهة مباشرة؟ مجالس الأعمال المشتركة.. هل هي الترجمة العملية للانتصار السياسي على أرض الاقتصاد؟ البزم يوضح موقفه من بيان منسوب له حول فعاليات ذكرى "ردع العدوان" معركة "ردع العدوان".. هل ترجمت رسالتها على أرض الواقع بعد عام؟ سوريا.. إرث الاستبداد الثقيل في ذكرى التحرير.. الاقتصاد حجر الأساس في معركة بناء الدولة ما هو القانون 107 الذي تحدث عنه الرئيس الشرع؟ هل كان مطبقاً سابقاً.. وكيف يمكن تعديله؟ الرئيس الشرع من حلب: هذه ملامح المرحلة المقبلة جيل يدرس ويعمل.. كيف يحوّل طلاب الجامعات ضغوط المعيشة إلى فرصة لصناعة المستقبل؟