تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


روســـيا والصين.. اتفــاق الغــاز شـــراكة ســياسية اقتصــــادية

دراسات
الخميس 5-12-2019
ترجمة: مها محفوض محمد

عبر أكثر من ألفي كيلومتر وسط غابات الصنوبر وأراضي الجليد أول جزء من خط «غازوديك» الجبار يربط حقول الغاز في سيبريا الشرقية مع الحدود الصينية حيث دشنت روسيا أحد خطوط الغاز الثلاثة الكبرى لتصبح المصدر الأول للغاز الطبيعي في العالم .

« لقد فتح الصنبور» هذا ما أعلنه اليكسي ميلر رئيس مجموعة « غاز بروم» مع تدشين أنبوب الغاز المشترك في الثاني من هذا الشهر هو الأول بين ثلاثة مشاريع أنابيب غاز تقيمها روسيا حالياً ويمتد هذا الخط على مسافة أكثر من ألفي كيلومتر وسيبلغ فيما بعد ثلاثة آلاف الى شرق سيبيريا في محيط شمال شرق الصين، الخط الجديد سيسمح بتصدير 38 مليار متر مكعب من الغاز الروسي في العام نحو الصين وسيصل الى أعلى طاقته في العام 2025 .‏

بالنسبة للصين يعد هذا المشروع بنية تحتية أساسية تلبي الطلب المتزايد على الغاز مصدر الطاقة الذي تشدد عليه الصين من أجل التدفئة والصناعة ليحل محل الفحم وكان الطلب عليه قد تضاعف ثلاثة مرات خلال أقل من عشر سنوات حيث لم يكن الغاز يمثل سوى 8% من استهلاك الطاقة في البلاد مقابل 23% في أنحاء العالم ، الصين تنتج الغاز لكنه غير كاف والواردات تبلغ أكثر من 40 % من الاحتياجات ولا تتوقف عن الازدياد والرئيس الصيني يسعى الى تنويع المواد الأولية والامدادات بأكبر قدر ممكن كي لا يكون هناك تبعية لبلد أجنبي حيث أن الصين ترتبط بخط غاز مع تركمنستان وكازخستان وهي تستورد الغاز المسال بشكل كبير من استراليا تحت مسمى (GNL) ومن إندونيسيا وقطر ومن الولايات المتحدة التي توقف الاستيراد منها مع تزايد الحرب الاقتصادية بين واشنطن وبكين لأن الحكومة الصينية تتطبق حالياً رسوماً جمركية على (GNL) الأمريكية.‏

اليوم روسيا تفتح صنبور الغاز التاريخي الأول نحو الصين والرئيس بوتين يوجه أنظاره الى آسيا حيث يندرج هذا الاتفاق ضمن توجه اقتصادي ودبلوماسي روسي جديد نحو آسيا كما أن تطور العلاقات الصينية الروسية يشكل أولوية في السياسة الخارجية لكلا البلدين وهذا المشروع يحقق الرغبة الروسية بالتقارب مع آسيا في مواجهة غرب معاد فالنزاع حول أوكرانيا زادت حدته بين أوروبا وروسيا منذ ضم القرم عام 2014 وبقيت العلاقات بينهما باردة وتضاعفت العقوبات الأوروبية ضد روسيا وبالتالي بدأت بتوجيه أنظارها نحو الشرق حيث يعود تاريخ عقد مشروع « قوة سيبيريا» الى عام 2014 والتكاليف الباهظة لهذا المشروع تشي بأنه قد لايكون مربحاً ما يشير الى أن الهدف منه سياسي- دبلوماسي أكثر منه اقتصادي وبحسب المحللين فإننا نشهد نهضة لقطاع الغاز الروسي الذي أصبح في الطليعة أما تجارياً فهو يدل على خطة بارعة واستراتيجية أكثر من أي وقت مضى ويترافق هذا المشروع بعقد ينص على تكلفة قيمتها 400 مليار دولار على مدى ثلاثين عاماً تم التوقيع عليه بين شركة غاز بروم الروسية والعملاق الصيني (CNPC) في أيار عام 2014 بعد عقود من المحادثات وسواءً كانت صدفة أم لا فقد حدث ذلك في العام ذاته الذي ضمت فيه موسكو شبه جزيرة القرم ما تسبب بوابلٍ من العقوبات الاقتصادية الغربية على موسكو وسوء العلاقات مع أوروبا التي تعد المستهلك الأكبر للغاز الروسي في العالم وبالنسبة لأوروبا وتركيا فإن مبيعات الغاز الروسي اليهما حتى الآن هي الركيزة الأساسية لمجموع مبيعات غاز بروم فهما الزبونان التقليديان لروسيا منذ العهد السوفيتي .‏

مشروع الغاز الجديد أدى الى انقسام الاتحاد الأوروبي حيث نددت عدة دول مثل بولونيا وبلاد البلطيق بخطر التبعية الكبرى للطاقة الروسية والتخلي عن الصديق الأوكراني.‏

ومع أن روسيا لا تتخلى عن زبائنها المعتادين إلا أن هذا الاتفاق الذي أبرم بينها وبين الصين في خضم التوترات السياسية بين روسيا والاتحاد الأوروبي يسجل انعطافه في سياسة الطاقة الروسية ومثلها بالنسبة للصين كما يندرج هذا التطور في مد خطوط الغاز بين البلدين ضمن سياق مؤسساتي خاص وهو بمثابة رد على الرهانات والمخاطر التي تتهددهم في أمن الطاقة حيث من المفترض أن يقوم هذا التبادل على تنسيق مؤسساتي متماسك متقارب بينما هناك تباعد مؤسساتي كبير على صعيد العلاقات بين روسيا وأوروبا ثم إن تصدير الغاز الروسي نحو آسيا يندرج أيضاً ضمن سياسة تنوع السوق الذي يلبي أيضاً الرغبة في ضمان أمن الطلب وهو الرد الاستراتيجي من غاز بروم على تقلبات سوق الغاز الأوروبي حيث تشهد علاقات الغاز بين الاتحاد الأوروبي وروسيا منذ بداية أعوام 2000 غموضاً ونزاعات متزايدة كما عادت مسألة الأمن لتصبح قضية أساسية في هذه العلاقات الأمر الذي تعتبره الصين هدفاً أساسياً في سياسة الطاقة كما أن منطق ضمان الأمن عبر تنوع السوق يتطابق مع سياسة تنويع المصادر وطرق الامدادات التي تديرها الصين خاصة عبر شركات الدولة.‏

إن المشروع الجديد هو أحد مشاريع الطاقة التي طال انتظارها في آسيا والغرب الذي اعتبر هذه المشاريع سياسية أكثر منها اقتصادية يتحسب لإطلاق روسيا في الأسابيع القادمة لخطي غاز آخرين هما «NORD STREAM2» المثير للجدل أكثر لأنه الخط الثاني الذي يمر تحت بحر البلطيق ويحيط بأوكرانيا بلد عبور الغاز الروسي الى الاتحاد الأوروبي وخط «TURK STREAM» الذي يلتف حول أوكرانيا ويرمز الى اتفاق روسي تركي.‏

إن هذين الخطين هما مشروعان طموحان للغاز الروسي وسط توترات جيوسياسية بين روسيا والولايات المتحدة التي ترى الآن أن الروس يتحولون الى أخطبوط طاقة ينشر مجساته حالياً في أوروبا وليس خط «TURK STREAM» سوى «ضربة معلم» استراتيجية جديدة للرئيس بوتين.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية