تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


دراسة فنية في عامريات ابن دراج القسطلي

كتب
الأربعاء 14-3-2012
تتناول هذه الدراسة موضوع المديح في شعر ابن دراج القسطلي (421 هجري) وشعر ابن دراج جله في المديح وهو يربو على شتة آلاف بيت وهذا ما يسوغ الاقتصار على العامريات ميداناً مستقلاً للبحث،

وثمة دوافع إلى التفكير بضرورة إنشاء دراسة مستقلة تتناول العامريات، أبرزها: (أهمية العامريات ذاتها فهي وثيقة فنية ترصد حقبة تعد من أزهى الحقب في دولة الأندلس الأموية، وهي مدة حكم المنصور بن أبي عامر العامري فقد واكبت هذه القصائد مسيرة البلاط العامري في السلم والحرب مؤرخة أبرز الأحداث التي عاشتها قرطبة آنذاك ومشيدة بروعة الأمجاد التي سطرها المنصور بكفاحه المستمر ضد الروم والتي لم يقدر للعرب أن يستعيدوها ثانية بعد أن كبت خيول المجد العربي في الأندلس، وتزداد هذه الوثيقة قيمة إذا علمنا أن المصادر التي وصلت إلينا عن عصر المنصور العامري قليلة.‏

المرتبة الأدبية الرفيعة التي حازتها هذه القصائد فالعامريات من أجود ما نظمه ابن دراج وأحقه بالدرس والاهتمام لأنه أراد أن يثبت من خلالها تفوقه الشعري وقدرته على مجاراة فحول الشعراء المشارقة فضلاً عن ثرائها من حيث أصالتها وتنوع موضوعاتها وما تنضح به من نفحات وجدانية صادقة مبعثها إعجاب القسطلي بأميره العامري الذي جعل من الأندلس أقوى دول الغرب الإسلامي آنذاك وتغنيه بأشواق فكره وروحه الهائمة بالمجد بالرغم من القيود العائلية التي كبلتها مما جعله بحق شاعر الفروسية والوجدان في آن معاً وهذه ظاهرة يندر وجودها في تراثنا الأدبي ما يجعلها جديرة بالدرس والتحليل.‏

كثرت ألسنة النقد التي نالت من مكانة الشاعر الأدبية منذ القرن الرابع الهجري حتى عصرنا الحاضر بالرغم من أنه حاز قصب السبق في عصره فصنف في طليعة الشعراء الفحول آنذاك ولقب بشاعر البلاط العامري الأول.‏

وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التاريخي واسترشاداً بخطاه قسم البحث إلى مدخل وفصول أربعة وخاتمة يتضمن المدخل تعريفاً بعصر الشاعر وحياته وأهم العوامل المؤثرة فيها ومن ثم الأغراض الشعرية التي طرقها فضلاً عن تعريف موجز بالعامريات يبين مكانتها في تجربة الشاعر العريقة ويدرس الفصل الأول مكانة المنصور العامري السياسية والاجتماعية والأدبية كما ارتسمت ملامحها في العامريات، التي مثلت بحق مرآة صادقة عكست صورة الواقع الأندلسي آنذاك، وأرخت حياة المنصور تلك الشخصية العربية الفذة في دنيا الإسلام والعروبة بلا منازع آنذاك.‏

ويتناول الفصل الثاني أثر الثقافة المشرقية في العامريات وهو ميدان كان لابد من خوض لججه فابن دراج شاعر أندلسي كبير قرن النقاد اسمه بأسماء فحول الشعر وانتحاله طوال حياته فحظي شعره ولاسيما العامري بجهود جمة لتأكيد شاعريته الفذة ودحض ما حبك حوله من دسائس ومؤامرات.‏

وقد سلط الضوء على الثقافة الأدبية على نحو خاص لأن قدرة الشاعر على تمثل ثقافته الأدبية بما يتناسب وخصوصية تجربته الشعرية يعد من المعايير الأولى لقياس مدى جودة شاعريته وقدرته على المحاكاة والابتكار ويتضمن الفصل الثالث موازنة بين سيفيات المتنبي التي تعد درة من درر الشعر المشرقي وعامريات ابن دراج التي تمثل درة من درر الشعر الأندلسي وقد تولدت فكرة هذه الموازنة من أن ابن دراج حاز لقب (متنبي الغرب) بسبب تتلمذه على ديوان المتنبي أولاً وتشابه تجربتهما الشعرية والحياتية ثانياً فكان لابد من التساؤل: إلى أي مدى سار ابن دراج على خطا استاذه وهو الشاعر المتباهي بعظمة موهبته وروعة قلائده الشعرية التي سار ذكرها في مشارق الأرض ومغاربها.‏

وهل استطاع ابن دراج أن يفلت من قيود التبعية والانقياد الأعمى لسلطان المتنبي الشعري؟ أو أن سحر روائع المتنبي وتفرده ببدائع لم يسبق إليها قد دفعا بابن دراج إلى النسج على منوال ذلك الشاعر الملك الذي وقع كثيراً من الشعراء في شباك تقليده فظلوا يسبحون في فلكه الشعري.‏

ويتوجه الفصل الرابع إلى دراسة العامريات دراسة فنية وهو أمر يبدو من الضرورة بمكان فابن دراج شاعر الصورة المقدم وشاعر البديع المبرز وقبل كل شيء شاعر الكلمة الآسرة وقد تضمنت هذه الدراسة قراءة الجوانب الفنية في العامريات قراءة تتعلق بمادة شعر العامريات شكلاً ولغة وتصويراً وإيقاعاً أما الخاتمة فترصد أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة.‏

هذا البحث بقلم وسام قباني يقدم صورة جلية عن مرحلة هي الأبرز من حياة الشاعر أولاً إنها المرحلة التي قدم فيها روائعه العامرية ليلج من خلالها إلى دنيا المجد الأدبي وعن مرحلة مهمة في حياة الأندلس ثانياً إنها مرحلة الذروة في السيادة التي آذنت ببدء الانهيار.‏

فقد كشف الفصل الأول عن ملامح مكانه المنصور العامري السياسية والأدبية والاجتماعية والأدبية كما ارتسمت في أنظار شاعره الأثير ابن دراج الذي اختار أن ينطق باسم الوجدان الأندلسي آنذاك وألقى الفصل الثاني الضوء على مدى إفادة ابن دراج من ثقافته الشرقية من خلال الوقوف عند محورين رئيسين أولهما: المحاكاة، وثانيهما: المعارضة، وقد أظهرت الدراسة أن اتكاء ابن دراج على موروثه المشرقي كان اتكاء تجديد وتطوير لا اتكاء تقديس وتعظيم فحسب إذ أكدت أن لابن دراج شاعرية فذة غلبت عليها المؤثرات المشرقية أسلوباً وموضوعاً لكن فن الشاعر فيها ظل أصيلاً ضارباً جذوره بعمق في الواقع.‏

كما أظهرت الدراسة أن حدود ثقافة ابن دراج الأدبية لم تنحصر في إطار الثقافة المشرقية فحسب فهو قد تتلمذ على أدبه الأندلسي أيضاً فأفاد من ثقافته الأندلسية.‏

كشف الفصل الثالث النقاب عن طبيعة التقاء متنبي المشرق ومتنبي المغرب، إذ وضح كيف أن هذا الالتقاء كان ثمرة تشابه تجربتهما الحياتية والشعرية ثم سلط الضوء على أبرز القضايا المدحية التي اشترك بها الشاعران والتي تمثلت في صورة الأنا والآخر وفلسفة القوة والإرادة، والحكمة وفلسفة التأمل وصورة الاغتراب كما ناقش أهم القضايا الأسلوبية التي حاكى بها ابن دراج استاذه المتنبي.‏

وأظهر الفصل الرابع ملامح أسلوب ابن دراج في تكوين إبداعه الشعري مركزاً على أبرز أسرار شاعرية ابن دراج إذ بين مهارة الشاعر في المزاوجة بين الجديد والقديم على صعيد البناء الشكلي وفق مقتضيات المنهج ؟؟؟؟ الجديد الذي عد الشاعر من حملة لوائه في الأندلس.‏

كما دلل على عناية ابن دراج بجمال البنية اللغوية وموافقتها للمعنى وهو أمر نتج عن دقة اختياره للفظ الشعري وحسن توظيفه في النسق اللغوي.‏

وتوسع البحث في ميدان الصورة لأن ابن دراج شاعر الصورة المقدم في عصره فناقش تعدد مصادر التصوير التي صدرت عنها العامريات وتنوع ألوان البناء التصويري فيها وطرق صناعة الصورة وأشاد بقدرة الشاعر العجيبة على الإفادة من صور المشارقة ثم إعادة إنتاجها بحلة أندلسية ميزها ولعه بالاستقصاء وتفننه في إطالة عمر الصورة والميل إلى الإغراب والمبالغة.‏

وتناول البحث أيضاً الإيقاع في العامريات فكشف عن تمسك الشاعر بالنظام الإيقاعي الخليلي على صعيد الإيقاع الخارجي كما أظهر براعة ابن دراج في خلق ألوان عديدة من الإيقاعات الداخلية تأتي منسجمة ومقام القصيدة ما يدلل على حس موسيقي مرهف امتلكه الشاعر ووظفه في إطار تجربته الشعرية.‏

الكتاب: عامريات ابن دراج القسطلي. - تأليف: وسام قباني. - صادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب ضمن سلسلة دراسات في الأدب العربي العدد 18 في 624 صفحة قطع متوسط.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية