تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


بين عنف الفكر وآلة القتل.. الأدب الصهيوني لحبره رائحة الدم

كتب
الأربعاء 14-3-2012
فادية مصارع

«العنف في الأدب الصهيوني» يكاد يوجز العنوان - حسب مقدم الكتاب - الشاعر الكبير سليمان العيسى الخنجر الذي سقط في قلب الجسد - الصهيونية التي ابتليت بها أرضنا العربية، بل وطننا العربي الكبير فاحتلت أرضنا،

وشردت شعبنا وهي ليست سوى غزوة من الغزوات التي دام بعضها أكثر من مئتي عام ولعلها أشرسها وأكثرها عنفاً وهمجية.‏

وستبقى هذه الأرض العربية جسر العالم.. ولابد لكل طامع أو غاز أو مغامر أن يتعرض لنا، ويغزونا، ويقيم فوق أرضنا كياناً يبنيه على أجسادنا، ثم لا يلبث هذا الجسد العربي الكبير أن يهضمه، يتمثله فيبقى من يبقى، ويزول من يزول.‏

وقد عودتنا القنابل الصهيونية التي تفتك بنا صباح مساء على أن نقاوم ونصبر، وكان الزمن كفيلاً بأن تختم مآسينا بزوال المعتدين، وبقاء هذه الأمة المتجذرة في أرضها منذ الأزل، وستظل متجذرة إلى الأبد.‏

«العنف في الأدب الصهيوني» قد يحمل العنوان شيئاً من الغرابة أو المقاومة إذ من غير المألوف أن نبحث عن العنف في الأدب، أو أن نتخيل بأن هناك أدباء وشعراء يسهمون في توليد العنف وتغذيته فالطبيعي والبديهي أن يحمل الأدب نزوعاً إنسانياً وأخلاقياً كما يؤكد مؤلف الكتاب، وأن يعطي حياة الإنسان وكرامته وحريته القيمة الأولى، وأن يرتقي في سلوك البشر وفكرهم ومعتقداتهم، ويسهم في استئصال الوحشية والعنف من قلوبهم.‏

إلا أن الأدب الصهيوني اختار أن يفك التلازم والترابط بين الأدب والقيم الإنسانية ليحمل نزعة العدوان والعنف ويحض على كراهية الآخر، وإلغائه، بل قتله واغتصاب أرضه والعيش مكانه وفوق أنقاضه، مضحياً في سبيل ذلك بدور الأدب الإنساني، بل بمقوماته الفنية والإبداعية والجمالية والانحراف بعيداً عن هذا الدور، وجعله أقرب إلى منشور دعائي موظف في خدمة الأغراض السياسية والعنصرية وانتهاك الحقوق والقيم الإنسانية، وهو ما جعل د. علي سليمان يتردد كثيراً من إطلاق تسمية أدب على أي نوع من أنواع الأدب أو الفن إذا ما تنكر لهذه القيم وارتضى أن يكون خازناً للعنف أو رافداً له، وهو ما نجده عند من كتب من الصهاينة من الأدباء الذين بشروا بالمشروع الصهيوني في فلسطين ومهدوا له وأسهموا في ترسيخ دعائمه، وقد مارسوا ضد الفلسطيني مختلف أشكال العنف من خلال مقولاتهم ومسلماتهم ومزاعمهم، فمن يقرأ نماذج من الشعر الصهيوني يشعر وكأنه أمام عصابة من القتلة ومحترفي الجريمة وليس حيال شعراء أو أدباء.‏

ومن هؤلاء الكاتب (ليزهار سميلانسكي) في قصته الأسير، وروايته (خربة خزعة) الذي يظهر العرب فيها قذرين، جبناء، أنذال، أشبه بالحيوانات لا علاقة لهم بأرضهم.‏

ومنهم أيضاً الروائي الصهيوني (هزاز)، واسحق شليف، و(شموئيل يوسف عجنون) الحائز على جائزة نوبل للآداب وصورة العربي القبيحة لا تختلف عند أحد منهم.‏

وهو على النقيض من اليهودي المتفوق المتكامل والمتأهل في التاريخ والحضارة، والذي تؤهله جدراته ونقاءه العرقي لإزاحة الوجود الفلسطيني وإلغائه، باعتباره وجوداً شبحياً ملتبساً.‏

وهكذا يتحول اسم فلسطين لديهم إلى «أرض إسرائيل» ويلغى اسم الشعب الفلسطيني ليحل محله اسم الشعب اليهودي أو شعب الله المختار... وتمحى أسماء القرى والمدن والأماكن العربية الفلسطينية وتستبدل بأسماء عبرية ويزاح التاريخ الحضاري الكنعاني والفلسطيني والعربي ليغدو حجراً وتاريخاً وإرثاً يهودياً بينما تؤكد الحقائق التاريخية والأثرية زيف المزاعم الصهيونية حول الموروث الحضاري اليهودي.‏

إذاً يتناول د. سليمان في الفصلين الأول والثاني من الكتاب ظاهرة العنف الصهيوني بأوجهها المختلفة وأشكالها المادية والمعنوية، ويشير إلى بعض تجلياتها في الأدب والفكر والمقولات السياسية والدينية وفي وسائل التربية والإعلام، وفي عمليات القتل والتنكيل والتهجير التي تمارسها الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ويتبع جذور هذه الظاهرة وروافدها الرئيسية الضاربة في أعماق التاريخ اليهودي، في محاولة لوضع القارئ في المناخات والأجواء والمكونات والمولدات التي نشأت فيها ظاهرة العنف في الأدب الصهيوني واستمدت منها مقولاتها وزخمها وقوتها ومبرراتها.‏

ويفرد الفصل الثالث لإظهار العنف الصهيوني الذي تجلى في الرواية والقصة، مشيراً إلى الظواهر العنصرية والعنفية التي أشار إليها أو إلى بعضها فريق من كبار المفكرين وعلماء النفس والأدباء والمؤرخين من أمثال: غوستاف لوبون وول ديورانت، وشكسبير ودستويفسكي وتشارلز دكينز وغيرهم كثيرون، وقد كان للرواية دور بارز في إشاعة ثقافة العنف والتحريض عليه وتعد يائيل دايان، بنت وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق، أول روائية صهيونية تجرأت في أعمالها الروائية على الاعتراف بسياسة العنف التي تنتهجها الصهيونية، ويبين الكاتب أن العنف في الأدب الصهيوني أخذ شكلين أو مظهرين مختلفين في الشكل لكنهما يتفقان ويلتقيان في الغاية، الأول العنف المادي، أما الشكل الأخر فهو العنف المعنوي، وهو يخدم الأول ويكمله ويسوغه ويمهد له، ثم يأخذ بدوره أشكالاً عديدة، تشوه كلها صورة العربي وتحط من شأنه ويضرب مثالاً على الشكلين رواية دايان، «طوبى للخائفين» وهرتزل في روايته «الأرض الجديدة القديمة».‏

ومن خلال ما كتبه الصهاينة يؤكد د. سليمان أن كل من يطلع على مظاهر العنف وصوره في الأدب الصهيوني وينظر إلى آلة الدمار والقتل وممارسات الإذلال اليومية ضد الشعب الفلسطيني سيكتشف مدى الترابط بين عنف الكلمة والعبارة وبين عنف آلة القتل، بين عنف الفكر وعنف اليد وتبدو فصولها ومشاهدها واضحة في رواية (خربة خزعة) ليزهار سميلانسكي، وفي قصته (الأسير) التي يسير فيها في الاتجاه نفسه الذي سار فيه في روايته الآنفة الذكر، وحتى الكتاب الإسرائيليون الذين حاولوا التقيد بالموضوعة أمثال الكاتبة (سافيون ليبرخت) لم يستطيعوا الإفلات من إغراء تكرار صفات العربي النمطية المنفرة في الأدب الإسرائيلي، ومن هؤلاء (يهودا بيرلا) وموشيه ستافي والكاتب والناقد الصهيوني في قصته (فرات) و(ناتان شاحم) وغيرهم.‏

هذا عدا عن الأدباء الذين كرسوا أدبهم لكتابة للأطفال وزرع الكراهية والأوهام في نفوسهم، ومن أشهر من قام بهذه المهمة وأكثرهم رواجاً بين صفوف الناشئة الإسرائيلية كاتبان يكتبان باسمين مستعارين، أحدهما يسمى «هازي لابين» واسمه المستعار (ايدوستير) والثاني يسمى «شراجا أغافني» واسمه المستعار «أن ساريج» ولم يكتفوا بذلك بل طالبوا بتعديل المناهج التعليمية والحقائق التاريخية بما يتفق مع المطالب والمطامع الإسرائيلية وبتبديل الخطاب السياسي والفكري والديني والأدبي العربي الذي يتناول بالنقد إيديولوجية الكراهية والعدوان والتوسع الإسرائيلية.‏

ويختم الكاتب كتابه بالحديث عن العنف في الشعر الصهيوني الذي استقى أيضاً من المفاهيم والمقولات والإرث اليهودي ما يخدم الايديولوجية الصهيونية وعنصريتها وعدوانها أيضاً ومن الشعراء الذين تصدوا لهذه المهمة «يوناثان غيفن» والشاعر «ابشلوم كور» أحد أبناء هذه الدولة وأحد أبناء ثقافة الكراهية والعنف ودعاتها المبشرين، و«افرايم سيدوم» والشاعرة الصهيونية «نعمى شيمر» التي نظمت قصيدة تخاطب فيها طلاب المدارس في إسرائيل وتحضهم على قتل العرب وهدم المنازل فوق رؤوسهم معتبرة مهارتهم في تنفيذ المهمة هي مقياس النجابة والاجتهاد والتفوق، وغيرهم كثيرون، ولكن اللافت أن نجد بينهم من يصرح بأن العنف لا يولد إلا العنف، هذه النتيجة نفذت إليها الشاعرة الإسرائيلية «لابتسيك مانجر» ببصيرتها النافذة ورؤيتها المستقبلية الجريئة والتي لا يريد الإسرائيليون الاعتراف بها من خلال توظيفها للمقولة التالية:‏

على العنف قام عرشك... ومصيره أن يسقط بالعنف، رداء مملكتك ملوث بالدم وسيلوثه دمه أيضاً.‏

ويبين المؤلف أن هذا ليس حكم الشاعرة وحدها.. إنه حكم التاريخ أيضاً.‏

الكتاب وثيقة أدبية جديدة تضاف إلى مثلها من الوثائق المضيئة التي تفضح التزوير والبغي والعدوان وتقف مع الحق، والعدل والإنسان ويستحق القراءة، وهو رأي الشاعر الكبير سليمان العيسى وأشاطره إياه بعد قراءتي له واطلاعي عليه.‏

الكتاب: العنف في الأدب الصهيوني. - الكاتب: د. علي سليمان. - منشورات وزارة الثقافة الهيئة العامة للكتاب 2011.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية