تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر
طباعةحفظ


القلب وما يهوى والعقل وما يريد

مجتمع وعلوم
الثلاثاء 8/11/2005م
منيرة حيدر

قول قديم: عندما وزع الله جلت قدرته العقول على الناس رضوا بحصتهم, وحمدوه على عقولهم وعندما وزع الأرزاق على الناس, لم يرض أحد بحصته.

روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: أول ما خلق الله تعالى خلق العقل واستنطقه ثم قال له أقبل فأقبل وقال أدبر فأدبر. ثم قال:(وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلى منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب. أما أني إياك آمر وإياك أنهي وإياك أعاقب وإياك أثيب). وقيل: (للإمام علي بن أبي طالب) كرم الله وجهه صف لنا العاقل قال: الذي يضع الشيء موضعه,قيل: صف لنا الجاهل, قال: قد فعلت.‏

وقال:أهل المعرفة:(العقل جوهر مضيء خلقه الله عز وجل في الدماغ وجعل نوره في القلب يدرك المعلومات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة .‏

لا شك أن الإنسان مخزن أسرار والدماغ هو سر الأسرار والموهبة تكمن في البعض دون البعض الآخر ويتلألأ وهجها عند البعض حيناً ويخفت في أحيان كثيرة عند البعض الآخر.‏

والسؤال: هل أن أصحاب العقول المبدعة التي بنت محكمة النفس ومحكمة العقل استطاعوا إدراك ابعاد نظريات تدمير أنسنة الإنسان والعودة به إلى كهوف العصر الحجري في حقبة هي من أشد حقب التاريخ اضطراباً وتناقضاً بين معادلات وقيم ومفاهيم التقدم والتخلف ..‏

والسؤال على كل شفة ولسان هل حقاً الغربيون متقدمون و العرب متأخرون وإلى متى دوام الحال بينما العقل البشري واحد عند الجميع أم أنه كما قال: أرسطو: أن لا ترى بعض الأمور خير من أن تراها ومنطق التفكير يظل يطرح أسئلته الحيرى متخطياً كل الصعاب ومفجراً مكامن الإبداع بحثاً عن جواب إلى أن يؤتى الجواب والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تعثرت النهضة العربية التي بدأت مع نهضة اليابان وهذا يقودنا إلى سؤال آخر حول قول أحد وزرائها عند الاعتراف الدولي باليابان: لقد اعترفتم بنا لأننا هزمناكم بكل ما تفوقتم به علينا ومتى يقول العرب القول نفسه?‏

في مطلع شهر أيارمن عام 1995قرأت في مجلة العربي العتيدة, نداءات كتاب مبدعين تهيب بالأمة العربية والقائمين على إدارة مجتمعاتها من المحيط إلى الخليج, بأن يتنبهوا إلى دنو ثقافة الخنوع والتي تكشفت منذ عقد التسعينات الفارط من القرن الماضي بشكل مثير للرهبة والخوف وداعية إلى عقيدة (إدراك الحاضر) والمتزامنة مع موجة ثقافة النظام العالمي الأحادي الجديد فظهرت أفعال هذه الموجة عبر صراع الطبقات بفكر هدر الطبقات وتزعم أنها حتمية لا فكاك منها وأنها تحمل للبشر الخير العميم, وتحمل لهم أبواب الفردوس الأعلى وقد انتشرت النداءات على كثرة من آذان صماء لصناع القرار في المجتمعات الغربية, وقد أكد ذلك كتاب جين تشيزنو الشهير (توقعات من أجل البقاء) يقول: إن أولئك الذين يقومون بخدمةالمحظوظين قد أذعنوا قانعين, عاجزين ضمن مناخ لانطواء والتفكير بالسلامة الشخصية, فقط يبحثون عن مختبأ لهم وراء اضمحلال نفوذ الحكمة في مسيرة نماء الإنسانية, هذه الفئة القاتمة التي تعيش مقتاً متعاظم القسوة في الفقر والعوز والبؤس والقهر يغشاها ظلام الاستغلال والبطالة والحرمان والتخلف, الذي فرض وجوده, وبيئته, ومناخه,وقاعدة انطلاقه, ومنطلق قوته, في الهيكل العولمي المشوه وفي أدمغة علمائه المتلاعبين بالعقول, وبما اختزنته من مليارات الخلايا بعضها نشط لأسباب ودوافع, وبعضها مؤجل لأسباب ودوافع, وبكل الأحوال لا يكفي استظهار تلك الأسباب واستذكار ما هيتها واختلاطاتها, ففي خلايا البعض من البشر حجم هائل من المعلومات لا تحيطها آلاف المجلدات من الكتب لنشر مخزونه الفكري الذي اكتسبه من عبر الحياة وما بينهما من الاختلاف فكيف استطاعت عقول الناس في الغرب الإحاطة بأبعادها وعجز عنها العقل العربي فكيف تم التلاعب? وكيف ظلوا وضللوا ,والعرب أمة يحبون الحرية ويقدسونها ويأبون الخضوع لحكم الغرباء ولهذا ما استكانوا يوماً لاستعمار ولن يستكينوا? فكيف.... استطاع العولميون استمالة تلك العقول بالترغيب والترهيب والتهديد والوعد والوعيد وكيف استطاعوا تبديد ما فطر عليه الإنسان من حب الخير والعدل والإنسانية والتطور وأعمتهم مصالحهم المادية عن القيم الروحية فهل ينجحون في تحقيق ما أرادوه أن يكون وهل فعلاً يتمكنون من السيطرة على هؤلاء العرب أصحاب الحضارات الأولى ذوي العقول المفعمة بالجينات الإبداعية, وبمشاعر الوطنية الفطرية, التي تبنت مبادئ الديمقراطية العادلة ورسختها ثوابت مقدسة تجري في الضمائر الحية كجري الدم في جسم الإنسان فالعرب أصحاب فضل على البشرية باعتبارهم أبناء الحضارات الأولى ولو جوبهوا بالحروب والجحود ومهما تفاقمت النوائب واشتدت الخطوب فأمة العرب كسبائك الذهب التي كلما احترقت كلما تخلصت من العوالق والشوائب تعملق التاريخ في إبداعاتها وعبثاً يحاول الطغاة نهب إرثها وتراثها, أحقاً أن الغرب متقدمون وبماذا هم متقدمون وقد وضعوا العقل البشري في أزمة ووضعوا منظومة حقوق الإنسان في اللامساواة المفرطة ومكنوا السياسات الاقتصادية العالمية الجائرة من إفلات الفاقة من عقالها, وأفلحوا في انهيار منظومة القيم الأخلاقية وتبديدها وغزو العقول بما يسهل تدمير القيم, واستلاب الإرادات, وتوجيهها في أبعاد جديدة نحو انقراض أنسنة الإنسان.‏

متقدمون..! وقد جعلوا هذا العام, العام العالمي للفقر نقرأ فيه أخبار ما تلتهمه نيران الحروب ساعة بساعة ويوماً بيوم متقدمون وقد بشر كتابهم بنهاية عهد النظريات الكبرى, متقدمون وقد استيقظ ضمير بعض جنودهم ممن رفض اوامرهم وفضلوا الموت على الانصياع للأوامر الظالمة بحق الأبرياء ورفضوا نظريتهم القائلة أن كل عربي هو إرهابي محتمل هكذا العرب دائماً يصطدمون بالغزاة بسبب أسبقيتهم في التاريخ واستلهامهم روح الحرية والتسامح والمحبة والإيمان بالله وتقديس أنسنة الإنسان.صحيح أن عملية التلاعب بالعقول تمارس بمهارة فائقة! وعلى نحو غير مسبوق بوجه عام وبصورة مكثفة وتخطيط محكم, وعلى أيدي خبراء مهرة متخصصين بالتضليل والتحريف, وواقع الحال وسيلة إيضاح, وشاهد للعيان, ولكن ما يشاهده الناس ذوو الضمائر الحرة بعيون تبصر, وعقول تتبصر, وأفئدة مؤمنة بمبادئ الاستقامة, والحق لا يهمها من يخالفها, ولا يهمها من يلحق الأذى بها, فالقدرة على استخدام المعرفة أخلاقياً وإنسانياً تكبح جماح وسائل الانحراف, وتغلب المصالح العامة على المصالح الأنانية الضيقة وتوسع مجال الخيارات والتحديد الواضح للسياق المعنوي والأخلاقي بحيث يمكن اتخاذ القرار بصورة أكثر وعياً, وبإدراك أكبر للمسؤولية, رغم كل وسائل استمالة العقول نحو عصور الهمجية.‏

خلاصة القول: على النساء والرجال أن يؤمنوا أن بمقدور الإنسانية أن تصبح إنسانية تماماً, وسوف يتسنى للجنس البشري أن يحقق إنسانيته, وأن يدرك موطن ضعفه من أجل فعل اجتماعي يحول ما هو ممكن إلى واقع فعلي معاش ويعزز القدرات الإنسانية الخيرة الكامنة للعقل المستنير.‏

ويبقى هذا التحدي قضية يتعين مواجهتها والتغلب عليها حتى ولو لم يجد هذا التحدي مجرد فكرة المواجهة في مكان ما أو زمان ما, فجولات الباطل وإن طالت قصيرة وجولة الحق لابد أن تنتصر طال الزمان أم قصر وهكذا فإن إرادة العقل تنتصر على هوى القلوب المريضة.‏

إضافة تعليق
الأسم :
البريد الإلكتروني :
نص التعليق:
 

 

E - mail: admin@thawra.sy

| الثورة | | الموقف الرياضي | | الجماهير | | الوحدة | | العروبة | | الفداء | | الصفحة الرئيسية | | الفرات |

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية