الثورة – عبير علي :
تحت أشعة شمس دبي المتوهّجة، وعلى جدران مكتبة محمد بن راشد، تعرض لوحة الفنان والمهندس السوري وسيم عبد اللطيف اليوم في معرض يحمل عنوان:”كلود مونيه”.

معرض أصبح نقطة لقاء بين فنانين عالميين وتجارب عربية، حيث تتجسد فيه لوحة عبد اللطيف كحوار بصري متقن بين الفنون الغربية الكلاسيكية وتفاصيل المكان التي تخصّه شخصياً، التي تأخذنا إلى عالم طبيعي تتداخل فيه الذكريات والألوان.
تستعيد اللوحة مدينة صافيتا في ريف طرطوس، في مشهد طبيعي رحب، يتحكم فيه الامتداد اللوني والملمس الانطباعي الذي يميز الأسلوب الفني.
هنا، تتخذ الطبيعة شكلاً معمارياً حيوياً، يمتزج فيه اللون مع الضوء لتكون الصورة أكثر من مجرد مشهد بصري، بل توثيق حيّ للذاكرة، إنّ لوحة عبد اللطيف تجسيد للمكان وامتداد لروح المدينة يندمج فيها بعدان، بعد توثيقي ووجداني وبصري.
يبتكر الفنان من خلال استخدام تراكم الطبقات اللونية، سطحاً ملمسياً يجعلنا نميل إلى التأمل في التفاصيل، وكأنّنا نرى المدينة عبر عدسة انطباعية ولكن بلغة جديدة.
فلا يقتصر الأمر على المزج التقليدي للألوان، بل يتم تكرارها وطباعتها بشكل يدوي تقريباً، لخلق تأثير ملموس يدعو المشاهد إلى لمسه، وهو ما يختلف عن الأسلوب الكلاسيكي الذي يعتمد على اختفاء التفاصيل في ضوء الهواء، من خلال ضربات الفرشاة الكثيفة، يحتفظ عبداللطيف بتفاصيل المكان، في حين أن مدرسة “مونيه” كان يذيب مشهده في الضوء ليحصره في لحظة زمنية عابرة.
تقوم فلسفة اللون في اللوحة على ثلاث ركائز أساسية، وفقاً لما ذكره عبد اللطيف لصحيفة الثورة وهي الذاكرة، الضوء الداخلي، وعلاقة المكان بالمكان، فاللون هنا لا يقتصر على كونه أداة بصرية، بل استدعاء حميمي لبيئة الفنان الأولى، فالألوان تتداخل لتشكل تحولاً رمزياً بين مدينة صافيتا الساحلية في محافظة طرطوس، ومدينة دبي الحضارية.
الضوء الذي يصوغه عبد اللطيف ينبثق من داخل الألوان، على عكس “مونيه” الذي كان يلتقط الضوء من الخارج ليحدد الزمن، مما يخلق فارقاً لافتاً بين الأسلوبين.
إنّ المقارنة بين أسلوب وسيم عبد اللطيف وأسلوب “كلود مونيه” تبرز بوضوح في الاختلافات البنيوية، الأخير كان يبرز الضوء كمصدر خارجي يشير إلى اللحظة الزمنية، بينما ينشأ الضوء في لوحات عبداللطيف من تدرجات لونية دافئة، تحاكي حرارة الذكريات وتعبيراً عن العلاقة الوثيقة بين الفنان ومكانه، بينما كانت ضربات الفرشاة لدى مونيه خفيفة ومتقطّعة، نجد أن عبداللطيف يميل إلى ضربات كثيفة، تمنح المشهد قوة فنية، وتحفظ التفاصيل التي تكاد أن تختفي في لوحات مونيه.
وفي النهاية، يمكن القول :إنّ هذه اللوحة تمثّل حواراً بصرياً يربط بين مرجعيتين فنيتين مختلفتين، مرجعية الذاكرة المحلية التي تنبع من مدينة صافيتا، والهوية الانطباعية التي تذوب فيها الألوان والضوء، وفي قلب هذا الحوار، تقدّم اللوحة مدينة صافيتا، ليست مجرد مكان، بل رمز يعبّر عن هوية الفنان، ويتنقل عبر الفضاءات العالمية مضافاً في قلب دبي.
تمثّل اللوحة الفنية خطوة جديدة في تطور الفن الانطباعي، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتعيد تعريف العلاقة بين الذاكرة والهوية الفنية.