الثورة – فردوس دياب:
بهدف بناء استجابة وطنية لأزمة الصحة النفسية للناجين من تجارب العنف الممنهج خلال فترة النظام المخلوع، وتحت شعار “شفاء الإنسان أساس إعمار الأوطان”، افتُتح الجمعة 28 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي المؤتمر الدولي الثاني للرابطة السورية للأطباء النفسيين في جامعة دمشق، وبرعاية نقابة الأطباء.
ويُعد المؤتمر أول مؤتمر متخصص في الصحة النفسية، إذ يركز على مدى يومين على معالجة الآثار النفسية العميقة الناجمة عن سنوات الثورة، مع إيلاء اهتمام خاص لفئة الناجين من الاعتقال وذويهم بعد مرحلة “التحرير”.
يقدم المؤتمر رؤية شاملة تتضمن خارطة طريق معرفية تبدأ من تشخيص عمق الجرح الوطني، مروراً باستعراض وتكييف أدوات العلاج والشفاء “هندسة الشفاء”، وصولاً إلى بناء منظومات مجتمعية وقانونية تحقق “العدالة الشافية”، التي تربط الشفاء النفسي بمسارات العدالة الانتقالية، بما يضمن دعماً واستجابة للأشخاص الذين طالهم التعذيب والعنف داخل معتقلات النظام المخلوع، وردّ الاعتبار لهم كعملية علاجية بحد ذاتها.
الجرح المفتوح
الدكتور مازن محسن الخليل، رئيس المؤتمر، أكد في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أنه بعد مرور عام على التحرير، فإن معركة “الحطام النفسية” لا تزال مستمرة، إذ ما تزال آثار العنف والاعتقال والتعذيب موجودة في نفوس أكثر من مليون شخص مرّوا بهذه المأساة، في وقت لا يزال هناك نحو 100 ألف مختفٍ قسرياً.
وهذا، بحسب الدكتور الخليل، يبقي الجرح مفتوحاً لآلاف العائلات المنتظرة.
وقال الخليل إن حالات العنف الممنهجة ساهمت بتدمير إرادة الإنسان والثقة بالآخرين، كما أنها خلّفت مجتمعاً خائفاً، لأن التدمير الممنهج لنفسية الإنسان الذي كان ينتهجه النظام المخلوع أدى إلى تضرر كبير من الناحية النفسية.
وأوضح أن ما يواجهه الناجون من معتقلات النظام ليس مجرد اضطراب ما بعد الصدمة، بل هو اضطراب أعمق بكثير، وهو اضطراب ما بعد الصدمة المعقد الناشئ من تكرار الأذى لفترة طويلة.
وهذا النوع من الصدمات لا يسبب أعراضاً فقط، بل يغيّر بنية الشخص ذاتها من خلال مجموعة من الأعراض، منها الصعوبة في تنظيم العواطف، حيث يفقد الإنسان القدرة على التحكم بمشاعره، ويصاب بنوبات غضب متفجرة لأتفه الأسباب، كما يدخل في فترات طويلة من الاكتئاب العميق.
وأضاف أن الناجي يمتلئ بإحساس ساحق بالعار والذل، وكأنه المسؤول عما جرى له، كما تتأثر علاقاته الاجتماعية بشكل كارثي ويفقد قدرته على الثقة بالبشر حتى بأقرب الناس إليه، ويصبح العالم بالنسبة إليه مكمن خطر.
صدمة عامة
ويسلط الدكتور خليل الضوء على الحلول وآلية المواجهة، لاسيما في ظل تحول الصدمة إلى ظاهرة عامة في المجتمع قد تنتقل آثارها من جيل إلى جيل، ويشدد على ضرورة أن يتحوّل دور الطبيب النفسي من معالج إلى شريك في تحقيق العدالة، عبر تقديم الأدلة الجنائية وتدريب القضاة، وإنشاء مساحات انتقالية آمنة لمساعدة من تعرض للاعتقال على التعود على الحياة الحرة، إضافة إلى تنفيذ مشاريع وطنية للمعالجة وسنّ قانون وطني يضمن العلاج كحق أساسي.
بدوره، أكد الدكتور يوسف لطيفة، أستاذ الطب النفسي بجامعة دمشق، أهمية المؤتمر في معالجة قضايا مجتمعية ملحّة. وركّز في مداخلته على الجوانب الأخلاقية والقانونية للتعامل مع الناجين من الاعتقال وذوي المفقودين والضحايا.
وطالب لطيفة بضرورة إعادة كرامة الناجين واستعادتها وتقديم الدعم النفسي والمادي والقانوني للمعتقلين السابقين، والحفاظ على السرية الطبية، وتطوير قوانين وتشريعات جديدة تحمي حقوق الضحايا وذوي المفقودين، وإنشاء إطار عمل وطني (لجنة وطنية) لتوثيق انتهاكات الماضي عبر مقابلات الناجين وإنشاء سجل وطني.
تجربة السجن والاعتقال
أما الدكتور محمود الرفاعي، ممثل نقابة الأطباء، فقد أكد لصحيفة “الثورة السورية” أهمية المؤتمر كونه يتعلق بالناجين من الاعتقال وذويهم، لاسيما وأن شريحة كبيرة في المجتمع تعرضت للاعتقال والتعذيب الممنهج.
وتحدث الرفاعي عن تجربته الشخصية كطبيب سُجن وحُكم عليه بالإعدام، مؤكداً أن أسلوب الاعتقال كان يهدف إلى “تحطيم كرامة الإنسان وشخصيته”، ومحذراً من أن إهمال معالجة هذه الآثار النفسية المكبوتة ستكون له تداعيات كبيرة على المجتمع.
في كلمته، تناول الدكتور عامر الحاج، الاختصاصي في المعالجة النفسية، العلاجات الدوائية المتاحة لاضطراب ما بعد الصدمة، مشيراً إلى الانتشار الكبير لهذا الاضطراب في سوريا بسبب الظروف الصعبة، وإلى محدودية وفعالية الخيارات الدوائية الحالية. وتطرق الحاج إلى وجود أدوية جديدة قيد البحث تبعث الأمل في تقديم علاج أكثر فعالية، مختتماً محاضرته بسؤال: “هل وجدنا أخيراً الدواء الفعال لعلاج الناجين من التعذيب في المستقبل؟”.
أما الدكتور مازن الشماط، مدير وحدة الإرشاد الجامعي والدعم النفسي بجامعة دمشق، فقد استعرض جهود الجامعة في تأهيل الكوادر التعليمية، مشيراً إلى البرنامج التدريبي الأول من نوعه على مستوى سوريا، والذي يهدف إلى تأهيل العاملين في الميدان النفسي للتعامل مع الناجين من الصدمات بأحدث طرق العلاج النفسي.
فهم التحديات النفسية
الدكتورة عهد الهوى – من الحضور – بينت لصحيفة “الثورة السورية” أن المؤتمر يساعد في فهم التحديات النفسية التي نتجت عن سنوات الحرب، ويعمل على تطوير القطاع الصحي النفسي في سوريا، وإعادة بناء البنية النفسية للمجتمع بعد التأثيرات السلبية الطويلة، لاسيما وأن المؤتمر جمع نخبة من الأطباء والمعالجين السوريين، سواء داخل سوريا أو خارجها، لتبادل الخبرات والأبحاث الحديثة في مجالات الصحة النفسية.
بدورها، أوضحت الدكتورة لينا طحان – من الحضور – لصحيفة “الثورة السورية” أن المؤتمر يركز على العمل مع الناجين من الاعتقال، خاصة في ظل غياب الوعي الكافي بالصحة النفسية لهؤلاء الأشخاص. وشددت على أهمية بناء الإنسان ليس فقط من خلال الأدوية، بل من خلال التفاهم والتواصل مع الآخر والاستماع إلى تجاربه بشفافية.
ويُمثل المؤتمر منصة حيوية لوضع قضية الصحة النفسية في سوريا، وخاصة للضحايا والناجين من الانتهاكات، على أجندة الأولويات، كما افتُتح على هامش الفعالية معرض للأدوية النفسية للتعريف بالأدوية الجديدة في المجال النفسي.