عندما تتحول الكلمة إلى ميزان

الثورة-محمد الحريري:

لم تعد الكلمة مجرد صوت يعبر الهواء في زمن يغلي بالآراء والانفعالات والضغوطات الاجتماعية، فكما قال محمود درويش “بالكلمة نبني وطناً وبالكلمة نضيّعه”، يتجسد حديثه في المشهد السوري بأوضح صورة، فهي طاقة تؤثر على الوعي الجمعي، قادرة على تكسير الجدران أو ترميم الشقوق، فما بين الهدوء والغضب تقبع كلمة، وتخفى دلالة.

بين الكلمة والتأثير

تصف الباحثة في اللغة العربية الدكتورة إخلاص الجهماني “الكلمة” قائلة: “قوة الكلمة تؤثر في رأي الشارع بشكل كبير، فهي تصنع موجات قادرة على تغيير سلوكيات جمعية، وتغير معتقدات ومبادئ وثقافات”. وتستحضر القضية الفلسطينية كمثال على الكلمة وتأثيرها، فمن خلال خطاب أو منشور أو صورة مرئية استطاعت أن تغير زاوية الرؤية العالمية تجاه الاحتلال، وبناءً على هذا ترى أن المسؤولية اليوم مضاعفة، “فالنزاهة والأمانة في نقل الخبر وتوضيح الرؤية، أصبحت ضرورة لحماية وعي الشارع من التشويه والتضليل”.
إن كانت الكلمة تؤثر في الوعي، فإن أخطر تجليات هذا التأثير تظهر في الشائعات، تقول (الجهماني): “الشائعات ليست بالأمر المستحدث، فهي موجودة منذ القدم، ولكن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت على انتشارها”، مشيرة إلى خطورة الدور الذي تلعبه في نشر الأخبار التي تؤدي إلى فبركة إعلامية، فهي متاحة للجميع.

ورغم الدور الذي تلعبه الكلمة في تداول الشائعة، تؤكد أنّ “الخطاب المصاغ وفق صورة مرئية هو أكثر إقناعاً وحجّةً”، فكلاهما أدوات مؤثرة في الرأي العام، وبالتالي يمكن الوصول إلى أكبر عدد من المتلقين.

المسؤولية الإعلامية والوعي

تقع على عاتق الإعلام ومؤسساته مهمة جوهرية بوصفه الوسيلة الأقوى تأثيراً في الشارع، وبحسب (الجهماني): “الإعلام يجب أن يصنع خطاباً محايداً، بعيداً كل البعد عن الانزياح العقائدي أو الفكري”، مشيرةً إلى أنّ الخبر يجب أن يُنقل بموضوعية دون جمل أو كلمات ضمنيّة قد تزيد التوتر في الرأي العام.
وتحذر من أنّ أي كلمة غير محسوبة قد تتحول إلى شرارة اجتماعية، قائلةً: “يجب على الإعلامي نقل الصورة بوضوح وعقلانية”، فالرأي العام يسهل تحريكه بكلمة.
كما أن اللغة المستخدمة هي الأساس في إيضاح الأمور أو تعقيدها، فمن المفترض أن “تكون اللغة الإعلامية الموجهة للناس فصيحة وسهلة وواضحة بالنسبة لهم”، وبذلك لن تتحول الكلمة إلى صراع أو بيروقراطيات ثقافية، لكن ضعف الوعي اللغوي بألفاظ ومصطلحات معينة، قد يصبح أداة تخدم إيديولوجيات هدفها تأجيج الخلاف.

وتحذر (الجهماني) من أن الضعف اللغوي من شأنه أن يزيد الالتباس اللغوي، لذلك تدعو إلى تخصيص جانب مهاري لغوي في الصحف والمؤسسات الإعلامية لشرح المصطلحات بوضوح وتبسيط المفاهيم التي قد تُفهم بشكل خاطئ.

تتأثر فئة الشباب بشكل أكبر بالكلمة، بهذا تتطرق (الجهماني) إلى مفهوم التثقيف الصحي ليس من باب الصحة الجسدية فقط، وإنّما من باب الوعي المتكامل، وتقول: “يمكن بناء صحة نفسية وجسدية للجيل الصغير من خلال الإرشاد المتبع في المدرسة أو ضمن العائلة”، لتساعد الجيل على التفكير النقدي والإبداع.

وتضيف: “إذا كان الحديث عن تثقيف المجتمع ككل، فهذا يعتمد على توفير بيئات تعليمية ومهارية نافعة”، لتشجيع هذا الجيل ككل نحو الابتكار والإبداع في الأمور الحياتية والثقافية، وخلق علاقة صحية بين الفرد واللغة التي يتلقى بها الأخبار.

تشكل الكلمة في واقع سوريا، الحد الفاصل بين الفوضى والوعي، بين التلاعب والحقيقة، فمن خلال رؤية الجهماني تتضح حقيقة أن المجتمع لا يخاف من الكلمة، وإنما من الطريقة التي تُستخدم بها.

آخر الأخبار
مشروع تدوير أنقاض حمص.. بداية رحلة الألف ميل نحو إعادة الإعمار "مجموعات خارجة عن القانون" ترتكب انتهاكات بحق رجال دين في السويداء من أثينا: دعوة رسمية سورية للمستثمرين العرب واليونانيين لدخول مرحلة «إعادة الإعمار الكبرى» ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ضمن فعاليات الأسبوع العالمي لريادة الأعمال ..تكريم رواد وشركات ناشئة في سورية الخارجية السورية: استعادة حق التصويت في المنظمة البحرية الدولية والمشاركة في انتخابات مجلسها لأول مر... الهيئة الوطنية للمفقودين تلتقي في دمشق ذوي المفقودين في زمن النظام المخلوع دمشق تعتمد رابطة المهندسين السوريين في قطر رسمياً كتاب يوثق أحداث الثورة السورية والانتهاكات بحق الشعب فيدان في طهران.. وسوريا تتصدر جدول المباحثات القنصلية السورية في بون تستعد لاستقبال المراجعين بعد إعادة تأهيلها حكومة نتنياهو في مرحلة حرب مع نفسها..  كيف تحول توغل إسرائيلي في بيت جن إلى مواجهة مباشرة؟ مجالس الأعمال المشتركة.. هل هي الترجمة العملية للانتصار السياسي على أرض الاقتصاد؟ البزم يوضح موقفه من بيان منسوب له حول فعاليات ذكرى "ردع العدوان" معركة "ردع العدوان".. هل ترجمت رسالتها على أرض الواقع بعد عام؟ سوريا.. إرث الاستبداد الثقيل في ذكرى التحرير.. الاقتصاد حجر الأساس في معركة بناء الدولة ما هو القانون 107 الذي تحدث عنه الرئيس الشرع؟ هل كان مطبقاً سابقاً.. وكيف يمكن تعديله؟ الرئيس الشرع من حلب: هذه ملامح المرحلة المقبلة جيل يدرس ويعمل.. كيف يحوّل طلاب الجامعات ضغوط المعيشة إلى فرصة لصناعة المستقبل؟