الثورة – حسين صقر:
عالم الأطفال عالم مدهش، مليء بالغرابة والخيال، وغالباً ما نصعب تصديق ما يصدر عنهم، رغم قدرتهم اللافتة على التواصل بطرق تفوق ما نتوقعه، وحول اللغة التي يستخدمها الأطفال دون سن الثالثة، تقول الدكتورة أميرة حسين، والدة الطفلة غريس كمال، لصحيفة “الثورة السورية”، رغم أن “الطفل قبل هذا العمر لا يمتلك حصيلة لغوية كبيرة، وأن حمله قد لا تتجاوز كلمتين أو ثلاثاً، فإن عالمه مليء بالأسرار، أقف مذهولة أمام قدرة توءمي على التفاهم، ليس فقط مع الكبار، بل مع أقرانهم أيضاً”.

وتروي الحسين قصصاً عديدة عن مواقف تلجأ فيها إلى أحد الطفلين لتفهم ما يريد الآخر، وكيف يحاولان جاهدين إيصال المعلومة عبر المحاكاة والتشبيه والمقاربة بين الأشياء حتى تصل الفكرة. وتضيف “المثير أن ما يقصده أحدهما غالباً ما يكون هو نفسه ما فهمه الآخر تماماً”.
ويقول التربوي محمد جدعان في حديثه مع صحيفة “الثورة السورية” إن حفيده جوليان عبد الخالق، الذي أتم الثانية من عمره، يبهره بحركات تعبّر عمّا يجول في خاطره، وكيف ينطق كلمات تعبّر عن طلباته، بل وكيف يعبّر عن عاطفته وحبه لمن حوله من أب وأم وجدّة، فلكل منهم مكانة خاصة في عالمه الصغير.
وتتحدث أمل الحلبي لصحيفة “الثورة السورية” بحب عن حفيدها غمار، ذو الثلاث سنوات، قائلة: “كثيراً ما نواجه صعوبة في فهم ما يريد، لكنه يصرّ على تغيير الكلمات، ويستخدم الإيماءات والأشياء الموجودة حوله ليصل إلينا، وفي أحيان كثيرة نلجأ إلى أخته أو إلى والدته لنفهم مراده وفي النهاية نصل إليه”.
لغة فطرية
هذا النوع من التواصل يُعرف علمياً بـ “اللغة ما قبل اللفظية”، وهي لغة فطرية تعتمد على الإيماءات، ونبرة الصوت، واللعب التخيّلي البسيط، توضح الدكتورة مروة الحسن لصحيفة “الثورة السورية”، وهي اختصاصية في النطق والتخاطب، وتضيف، أن الأطفال دون سن الثالثة يمتلكون ما تسميه “المفردات غير المنطوقة”، وهي شكل من أشكال اللغة يسمح لهم بالتواصل بفعالية رغم محدودية كلامهم.

الأطفال الصغار بحسب الحسن يفهم بعضهم بعضاً بطريقة تختلف تماماً عن الكبار.
فهم يعتمدون على قراءة المشاعر، وتقليد السلوك، ونبرة الصوت، والإشارات اليدوية، وقد تكون هذه اللغة بينهم أكثر دقة مما نتوقع.
وتتابع موضحة دور نبرة الصوت والسياق العاطفي: “حتى لو استخدم الطفل كلمة واحدة، فإن النبرة تحمل المعنى. فإذا قال طفل لآخر (لا!) بنبرة حادة، يدرك الطفل المقابل الرفض التام حتى لو لم يفهم الكلمة لغوياً “، وتشير إلى دور التقليد والإيماءات: “إذا أراد طفل إعطاء لعبة لآخر، يمد يده أو يبتسم أو يقترب منه، يفهم الطفل الآخر الرسالة بلا كلمات”.
أما عن لغة الجسد، توضح الحسن بأن “التقرب، الابتعاد، لمس الكتف، تقديم لعبة، كلها إشارات ذات معنى قوي. وعند مراقبة الأطفال في الحضانة نراهم يتفاوضون ويتشاركون ويتعاركون أحياناً اعتماداً على لغة الجسد وحدها”.
الكلمات المشتركة
توضح الحسن أن أولى الكلمات التي يتبادلها الأطفال عادة هي: (بابا، ماما، كمان، لا، باي) إضافة إلى أسماء الألعاب، ويلاحظ المتخصصون أن الأطفال يفهمون ضعف عدد الكلمات التي يستطيعون نطقها، وتشرح “الكبار يعتمدون على اللغة، بينما الأطفال يعتمدون على الإيقاع والتجارب المشتركة والمشاعر، لذلك قد يفهم طفل كلمة أو إشارة من طفل آخر لأنه يعيش المرحلة نفسها، حتى لو لم يفهمها البالغ”.
وتضيف الحسن أن الأطفال يستخدمون ما يسمى “اللغة الموقفية”، أي أن المعنى يأتي من الموقف نفسه، لا من المفردات، وتضرب مثالاً “إذا أراد طفل لعبة يمسكها طفل آخر، فالموقف وحده ينقل الرسالة، دون أي جملة لغوية معقدة”

تطوير اللغة
ورداً على سؤال حول أهمية هذا التواصل، تقول الحسن “نعم، إنه مهم جداً فالأطفال الذين ينخرطون في اللعب الجماعي والتواصل غير اللفظي يطوّرون مهارات لغوية أسرع لاحقاً”، وتوضح أن هذا التواصل المبكر يدرّب الدماغ على فهم النية، وتوقع ردود الآخرين، والتنسيق الحركي، وهي مهارات أساسية تؤسس لبناء اللغة الحقيقية.
وتختم بالقول: “لغة الأطفال قبل سن الثالثة هي مزيج من الإيماءات ونبرة الصوت وتقليد الأقران.. إنها لغة ما قبل الكلمات التي تفتح الباب أمام لغة الحياة.”